الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

100

تفسير روح البيان

وسمى بآدم لكونه من أديم الأرض لأنه مؤلف من أنواع ترابها ولما أراد اللّه ان ينفخ فيه الروح امره ان يدخل فيه فقال الروح موضع بعيد القعر مظلم المدخل فقال له ثانيا ادخل فقال كذلك فقال له ثالثا فقال كذلك فقال ادخل كرها اى بلا رضى واخرج كرها ولذا لا يخرج الروح من البدن الا كرها فلما نفخه فيه مار في رأس آدم وجبينه واذنيه ولسانه ثم مار في جسده كله حتى بلغ قدميه فلم يجد منفذا فرجع منخريه فعطس فقال له ربه قل الحمد للّه رب العالمين فقالها آدم فقال يرحمك اللّه ولذا خلقتك يا آدم فلما انتهى إلى ركبتيه أراد الوثوب فلم يقدر فلما بلغ قدميه وثب فقال تعالى وخلق الإنسان عجولا فصار بشرا لحما ودما وعظاما وعصبا وأحشاء ثم كساه لباسا من ظفر يزداد جسده في كل يوم وهو في ذلك منتطق متوج وجعل في جسده تسعة أبواب سبعة في رأسه أذنين يسمع بهما وعينين يبصر بهما ومنخرين يجد بهما كل رائحة وفما فيه لسان يتكلم به وحنك يجد به طعم كل شئ وبابين في جسده وهما قبله ودبره يخرج منهما ثقل طعامه وشرابه وجعل عقله في دماغه وشرهه في كليتيه وغضبه في كبده وشجاعته في قلبه ورغبته في رئته وضحكه في طحاله وفرحه وحزنه في وجهه فسبحان من جعله يسمع بعظم ويبصر بشحم وينطق بلحم ويعرف بدم فلما سواه ونفخ فيه من روحه علمه أسماء الأشياء كلها اى ألهمه فوقع في قلبه فجرى على لسانه بما في قلبه بتسمية الأشياء من عنده فعلمه جميع أسماء المسميات بكل اللغات بان أراه الأجناس التي خلقها وعلمه ان هذا اسمه فرس وهذا اسمه بعير وهذا اسمه كذا وعلمه أحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية وعلمه أسماء الملائكة وأسماء ذريته كلهم وأسماء الحيوانات والجمادات وصنعة كل شئ وأسماء المدن والقرى وأسماء الطير والشجر وما يكون وكل نسمة يخلقها إلى يوم القيامة وأسماء المطعومات والمشروبات وكل نعيم في الجنة وأسماء كل شئ حتى القصعة والقصيعة وحتى الجنة والمحلب * قال في كشف الكنوز اتفق جم غفير من أهل العلم على أن الأسماء كلها توقيفية من اللّه تعالى بمعنى ان اللّه تعالى خلق لآدم علما ضروريا بمعرفة الألفاظ والمعاني وان هذه الألفاظ موضوعة لتلك المعاني * وفي الخبر لما خلق اللّه آدم بث فيه اسرار الأحرف ولم يبث في أحد من الملائكة فخرجت الأحرف على لسان آدم بفنون اللغات فجعلها اللّه صورا له ومثلت له بأنواع الاشكال * وفي الخبر علمه سبعمائة الف لغة فلما وقع في أكل الشجرة سلب اللغات الا العربية فلما اصطفاه بالنبوة رد اللّه عليه جميع اللغات فكان من معجزاته تكلمه بجميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها أولاده إلى يوم القيامة من العربية والفارسية والرومية والسريانية واليونانية والعبرانية والزنجية وغيرها * قال بعض المفسرين علم اللّه آدم ألف حرفة من المكاسب ثم قال قل لأولادك ان أردتم الدنيا فاطلبوها بهذه الحرف ولا تطلبوها بالدين واحكام الشرائع وكان آدم حراثا اى زراعا ونوح نجارا وإدريس خياطا وصالح تاجرا وداود زرادا وسليمان كان يعمل الزنبيل في سلطنته ويأكل من ثمنه ولا يأكل من بيت المال وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة وكان أكثر عمله صلى اللّه تعالى عليه وسلم في البيت الخياطة * وفي الحديث ( عمل الأبرار من الرجال الخياطة وعمل الأبرار من النساء الغزل ) كذا في روضة الأخيار * وقال العلماء الأسماء في قوله تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ