صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

20

تفسير القرآن الكريم

والإنسان في أوّل تكوّنه بالقوّة في كمال كلّ من هذه المبادي الثلاثة وهو بحسب كمال كلّ قوّة يقع في عالم من العوالم بمقتضى طبيعة تلك القوّة إن لم يكن لها مانع ، فله نشآت ثلاث بحسب قوى ثلاث ، فهو بالقوّة في أوّل الوجود . فأوّل ما يخرج فيه من القوّة إلى الفعل هو نشأة الحسّ وكماله بحسبه يقتضي السكون في هذه الدار والانسراح في مراتع الشهوات كالبهائم والحشرات ، فإذا تجاوز عن هذا المنزل يحدث فيه العقل العملي . وقوّة التخيّل ، وكماله بحسب هذه القوّة يقتضي له التشوّق إلى الدار الآخرة والكون هناك ، من حيث يتخيّل الخيرات المظنونة ، ويقصد الأفعال الحسنة ، وينوي فعل الطاعات وترك القبائح والسيّئات ، ومعاد الإنسان من حيث همته . ثم إذا ساعده التوفيق الإلهي وارتفع إلى كمال القوّة النظريّة يحيط بالكلّيّات ، ويتّصل بالمفارقات ، ويعرف المبادئ والغايات ، علما برهانيّا وإدراكا مقدّسا عن شوب تغيّر وتجدّد أو ظنّ أو تخمين ، فمنزلته منزلة المقدّسين . فعلم إنّ الإنسان صار بحسب هذه المقامات منقسما على ثلاثة أقسام ، ولكلّ قسم أحوال مخصوصة بحسب الآخرة ، وله منزل خاصّ من المنازل الكلّيّة - وإن كان تحت كلّ قسم أنواع بلا نهاية - وهذا لا ينافي وحدة النوع الإنساني قبل أن يصير باطنه خارجا من القوّة النفسانيّة إلى الفعل الصوري الباطني في صفة من الصفات المكمونة فيه ، المخزونة في طينته . فوقعت الإشارة إلى تفصيل هذه الأقسام الثلاثة في قوله عزّ اسمه :