صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
58
تفسير القرآن الكريم
وتعديله ينصلح أمر المعاش في الدنيا ، وبإصلاح الآخرة ينصلح أمر المعاد في الآخرة ، والأحوط عند الأكياس ترجيح صلاح المعاد على صلاح المعاش ، وعيش الآخرة على عيش الدنيا ، بل « لا عيش إلا عيش الآخرة » كما ورد في الحديث « 1 » ، وعليه الأنبياء والأولياء والصديقين سلام اللّه عليهم أجمعين . تنبيه فرقاني اعلم إن أكثر الألفاظ الواردة في الكتاب الإلهي كسائر الألفاظ الموضوعة للحقائق الكلية مجملة ، يطلق تارة ويراد به الظاهر المحسوس ، ويطلق تارة ويراد به سره وحقيقته وباطنه ، وتارة يطلق ويراد به سر سره وحقيقته وباطن باطنه . وذلك لأن أصول العوالم والنشآت ثلاثة : الدنيا والآخرة وعالم الإلهية ، وكلها متطابقة ، وكل ما يوجد في أحد من هذه العوالم يوجد في الأخيرين على وجه يناسب كل موجود لما في عالمه الخاصّ به . فالروح مثلا كما يطلق على الجسم البخاري ، يطلق أيضا علي النفس الحيوانية أو الإنسانية ، ويشترك جميع أفراد الإنسان في الأول والثاني ، وكذلك يطلق على الروح الإلهي الذي هو محل استواء الرحمان بلا واسطة ومحل نفخه وفيضه ، وله الخلافة الكبرى من الحق والسلطنة العظمى نيابة عنه تعالى . فمن تلك الألفاظ : السمع والبصر والفؤاد ، فإن هذه الثلاثة ربما يراد بها الأعضاء الثلاثة ، كالاذن الغضروفي ، والعين الشحمي ، والقلب اللحمي ، وما يتعلق بها من الأعصاب والأرواح التي كلها من عالم الخلق والتقدير وعالم الشهادة والحس ، وربما يراد بها القوة السمعية المدركة للأصوات والألفاظ والنغمات ، والقوة البصرية المدركة للاضواء والألوان ، والقوة القلبية المدركة للمفهومات وأوائل المعقولات والمسلّمات المقبولات ، وتارة يراد بالسمع سماع المواعظ والحكم القرآنية ،
--> ( 1 ) البخاري : باب ما جاء في الرقائق : 8 / 109 .