صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

59

تفسير القرآن الكريم

والآيات الإلهية ، وبالبصر مشاهدة أولياء اللّه وأحبائهم ومعارفهم وتصديق حالهم ، وبالفؤاد الروح القدسي الواصل إلى اللّه تعالى بنور العرفان . وهذه المعاني الأخيرة مما لا اشتراك لجميع الناس فيه ، بل يختص بالمقرّبين ، وكذلك معانيها المتوسطة مما لا يشترك الجميع فيه إلا أنها أشمل وجودا من الأخيرة ، بل يختصّ بالمتوسطين من الناس ، وهم أصحاب اليمين وأهل السعادة العملية ، الفائزون بنعيم الآخرة بميراث عملهم ، إن لم يكن أعمالهم مشوشة مغشوشة بالجهل المركّب والاستبداد بالرأي ، والخروج عن صفو الاستعداد المطلق بالأكدار الاعتقادية الباطلة الوهمية في أحوال المبدإ والمعاد . فإذا علمت هذا فاعلم إن قوله « وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ » لما وقع في معرض الامتنان وإظهار الإحسان ، فالظاهر أن المراد بالسمع والبصر هاهنا ما يختصّ بأحباء اللّه والمتألّهين والمقربين ، لا المبعدين الناكرين ممن ليس لهم نصيب من القرآن ، وهم عن السمع لمعزولون وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [ 8 / 23 ] ولا من الذين كانوا عمي القلب عن مشاهدة الحقائق كأبي لهب وأبي جهل ونظرائهما في الجهل والعمى والصم عن مشاهدة آيات اللّه وسماع ذكر الحبيب . ولو كان لفظ السمع والبصر والقلب أينما وقع في القرآن كان المراد منه ما وقع فيه الاشتراك لجميع الناس من هذه المشاعر الحسية الدنياوية لما سلب اللّه سبحانه معانيها عن أهل الكفر والجهل بقوله صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ 2 / 171 ] مع وجود هذه الآلات فيهم ، وكذا قوله : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ 7 / 179 ] لعدم انتفاعهم بهذه الآلات بصرفها فيما خلقت لأجله ليزيدهم بسبب شكر هذه النعم الدنياوية نعمة بواطن هذه المشاعر وحقائقها ، أو لعدم نصيبهم عن تلك النعم الباطنية وزوال استعدادهم واستحقاقهم لها