صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

56

تفسير القرآن الكريم

وتوسطه بين الكيفيات المتقابلة التي هي من أوائل الملموسات ، والأطراف المتضادة والتوسط بين الكيفيات المتقابلات بمنزلة الخلّو عنها . وليس المراد منه ما سماه الحكماء « النفس الناطقة » التي هي جوهر مدبّر للبدن ، مرتبتها مرتبة العقل الهيولاني ولها استعداد الترقي إلى مقام الروح الإلهي الذي هو من أمر اللّه ، وكل ما كان من أمر اللّه وعالم جبروته وقاهريته فشأنه التأثير في الأشياء بالقهر والإبداع من غير انفعال واستكمال بما تحته ، فكيف يكون منفعلا عن البدن ويكون الحاصل منه ومن المادة البدنية نوعا طبيعيا ذا مادة وصورة ، له تركيب اتحادي بينهما ، كما هو شأن النفس ، والنفس إذا أثرت في شيء ما اثرت إلا بتأييد هذا الروح المسمى عند بعضهم بالعقل الفعال . وإليه أشار النبي ( ص ) في قوله : « إن اللّه تبارك وتعالى خلق العقل من نور مخزون مكنون في سابق علمه الذي لم يطلع عليه نبي مرسل ولا ملك مقرب ، وهو أول ما خلق اللّه ، قال له : « أدبر » فأدبر . ثم قال له : « أقبل » فأقبل . فقال : « تكلّم » فقال : الحمد للّه الذي ليس له ضد ولا ند ، ولا شبيه ولا كفو ، ولا عديل ولا مثل ، الذي كل شيء لعظمته خاضع ذليل . فقال الرب تبارك وتعالى : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن منك ، ولا أطوع لي منك ، ولا أرفع منك ، ولا أشرف منك ، ولا أعزّ منك ، بك أحيي وبك آخذ ، وبك أعطي وبك اوحّد ، وبك اعبد وبك ادعى ، وبك ارتجى وبك ابتغى ، وبك أخاف وبك احذر ، وبك الثواب وبك العقاب . فخرّ العقل عند ذلك ساجدا فكان في سجوده ألف عام ، فقال الرب تبارك وتعالى : ارفع رأسك ، وسل تعط ، واشفع تشفع . فرفع العقل رأسه فقال : إلهي أسئلك أن تشفعني فيمن خلقتني فيه . فقال اللّه جل جلاله : أشهدكم إني قد شفّعته فيمن أخلقه فيه » . وهذا الحديث متفق عليه بحسب الفحوى ، وإن كانت العبارات مختلفة النقل ،