صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
5
تفسير القرآن الكريم
الإبداع دون الشخصيات المادية ، التي ليست منضبطة تحت الأمر العقلي ، وإنما هي حاصلة من خصوصيات الحركات والأزمان والأبعاد والأحياز ، ولهذا مما ينالها الحواس ، وينفعل عنها الآلات ، التي هي أيضا مثار الغلط والتغيير والزوال . فإذا تحقق وتيقن ان الحكمة الإلهية الربانية والمطالب الايمانية ، أجلّ الأعمال القلبية ، وأشرف العبادات الباطنية ، فلا بد لطالب الخير والسعادة أن ينال بحظ وافر وأن يقنص منها قدرا صالحا يكون ذخرا له يوم المعاد ووسيلة إلى قرب الحق الجواد . ثم لا شك ان خلاصة كتب اللّه الفائضة على أنبيائه وأوليائه هو الفرقان ، المنزل من اللّه على قلب خاتم أنبيائه وأشرف أوليائه محمد المصطفى ( ص ) ، إذ فيه حكمة الأنبياء والصديقين ، وفيه علم الأولين والآخرين ، وقواعد أحكام السابقين واللاحقين ، من لدن آدم صفي اللّه والد العقلاء الصالحين ، وإبراهيم شيخ الأنبياء الموحدين إلى زمان نبيّنا خاتم النبيين ، وأولاده المقدسين الروحانيين ، المتصل دولتهم الإلهية وملتهم التوحيدية ، إلى المهدي سلام اللّه عليهم سلفا وخلفا أجمعين ، وما من علم رباني ومسألة إلهية وحكمة برهانية ومعرفة كشفية إلا ويوجد في القرآن أصله وفرعه ومبدئه وغايته وثمرته ولبابه ، حتى أن كل سورة من سوره يوجد فيه غاية أفكار الحكماء الأولين ، ونهاية سرائر الأولياء المتقدمين . وإن هذا العبد الضعيف المسكين المفتقر إلى جود اللّه الحق المبين ، محمّد المشتهر بصدر الدين ، يقول : إني بعد ما تصفّحت معظم كتب الحكماء المشهورين بالفضل والبراعة ، وتدبرت أكثر زبر العلماء المشار إليهم بالعلم والشريعة ، ما أرويت عن ظمائي في طلب الكشف واليقين ، وما أطفأت حرارتي ونائرة شوقي في التوسل إلى معرفة حقايق الدين ، بل وجدتها كلها قاصرة عن إفادة التصديق ، ما الفائدة فيها إلا مجرد التشويق وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [ 10 / 36 ] . فلما رجعت إلى تتبع معاني القرآن العظيم ، وما أفاضه اللّه سبحانه على قلب