صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

40

تفسير القرآن الكريم

و روي أيضا : إنه سئل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم « 1 » : أين اللّه ؟ فقال : « في قلوب عباده » فعليك أن تتفحّص القلب الإنساني ، فإذا وجدت وصرت ذا قلب فقد وجدت بيت اللّه ، لأن الروح محل معرفة اللّه ، وقلب المؤمن عرش اللّه وهو لطيفة صافية ينبعث من صفوة الأخلاط الأربعة وبخاريّتها ودخانيتها ، كما إن السماء وهي دخان حاصلة من صفو الأجرام ودخانيتها . الثاني : كونهما بين إصبعين من أصابع الرحمان ، والإصبعان هما النفس والعقل ، المحركان للأشياء ، أحدهما بالمباشرة والتدبير ، وثانيهما بالإمداد والتشويق ، وهما ملكان مقربان روحانيان ، أحدهما عقلي والآخر نفسي ، أما كون العرش بينهما فلما ثبت أن وجوده بعد القلم واللوح المعبّران عن العقل والنفس والقضاء والقدر ، وأما كون القلب بينهما فلكونه مسببا عن القوة العاقلة والعاملة من الروح الإنساني . الثالث : اشتراكهما في السعة والإحاطة ، أما العرش فلقوله تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ 2 / 255 ] والعرش وسع الكرسي فيكون أوسع منه ومما يحويه ويسعه ، ولكثير من الأحاديث الدالة على أن العرش محيط بما في هذا العالم الجسماني ، وأما قلب العارف فلقوله تعالى « 2 » : « لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن » . وأنت إذا تأملت في احضارك لكل شيء تريده في قلبك ، من الأفلاك العظيمة والكواكب بأي مقدار وعدد شئت ، وإخطارك الصحاري الوسيعة في بالك بأي سعة شئت ، والخلائق الكثيرة بأي كثرة شئت ، فلا تتعجب في قول أبي يزيد البسطامي : « لو أن العرش وما حواه ألف مرة دخل في زاوية من زوايا قلب أبي يزيد لما أحسّ به » وما قيل : إن العرش مع نسبته باستواء الرحمانية كحلقة ملقاة بين السماء والأرض

--> ( 1 - 2 ) قال العراقي ( ذيل احياء العلوم : 3 / 15 ) : لم أجده بهذا اللفظ . وللطبراني من حديث أبي عتبة الخولاني يرفعه إلى النبي ( صلّى اللّه عليه وآله وسلم ) قال : « إن للّه آنية من أهل الأرض ، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين . . . الحديث » .