صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
35
تفسير القرآن الكريم
مقتصد - مجسّم في البعض ومأول في البعض - كأصحابنا الإماميين ليسوا في مرتبة إسراف المؤولين في رفع الظواهر ، ولا في مرتبة تقصير المجسمة في حسم باب التأويل وهنا قسم رابع هم الراسخون في العلم المشار إليهم في قوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [ 3 / 7 ] على قراءة الوصل - وقد أشرنا إلى طريقتهم في تفسيرنا لآية الكرسي وذكرنا هناك أنموذجا من مقامهم في كلام اللّه الملك العلّام بمقتضى دينهم وديانتهم في ضبط ألفاظ الكتاب المجيد عن التحريف والتحديد ، فإن مقتضى الدين والديانة ورعاية الضبط والأمانة أن لا يأول المؤمن شيئا من الأعيان التي نطق بها القرآن والحديث ، إلا بصورها كما جاء وفسّرها علماء التفسير الواقعين في عهد النبي ( ص ) والأئمة الماضين المعصومين عن الخطاء سلام اللّه عليهم أجمعين . اللهم إلا أن يكون محقّقا خصصه اللّه تعالى بكشف الحقايق والمعاني والأسرار والإشارات في فهم التنزيل وتحقيق التأويل ، فإذا كوشف بمعنى خاص أو إشارة وتحقيق وتقرر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة الأعيان ، مثل الجنة والنار والميزان ، وما في الجنة من الحور والقصور والأنهار والأشجار وما في النار من الحميم والزقوم وتصلية جحيم والمهل يشوي في البطون كغلي الحميم ، وغيرها من العرش والكرسي والشمس والقمر والليل والنهار ، لا يأول منها شيئا على مجرد المفهوم ويبطل صورته ، بل يثبت تلك الأعيان كما جاء ويفهم منها حقائقها ومعانيها ، فإن اللّه تعالى ما خلق شيئا في عالم الصورة إلا وله نظير في عالم المعنى ، وما خلق شيئا في عالم المعنى وهو الآخرة - إلا وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب الغيب - فافهم جدّا ، وما خلق شيئا في العالمين إلا وله مثال وأنموذج في عالم الإنسان . فإذا عرفت هذا على الكشف واليقين فقد اعتصمت بحبل متين من حبال القرآن المبين ، واستمسكت بعروة وثقى من عروة الدين - فالزم . واعلم إن مثال العرش في العالم الصغير الإنساني قلبه ، إذ هو محل استواء الروح عليه بخلافة اللّه تعالى ، فكما أن كون القلب - بل البخار اللطيف الذي فيه مستوى للنفس الإنسانية بل للروح العقلي لا يوجب تجسما لها ، لأن حقيقة هذا الاستواء