صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
36
تفسير القرآن الكريم
ليس كاستواء جسم على جسم ، بل هذا تجلّ للروح بواسطة قوتها العملية في القلب وظهور منها عليه يوجب استعمالها له وتحريكها إياه بحيث يكون آثارها في سائر الأعضاء وغيرها بواسطة القلب ، فما يفعل فعلا إلا ويظهر أولا أثر من الروح في قلبه ، ثم يسري منه في الأعضاء الآلية ، ثم في آلات الخارجية إن كان فعلا خارجيا يفتقر إليها ، ثم يوجد ذلك الشيء الذي يقال إنه أثر النفس كالكتابة في مادة خارجية كالمداد وصفحة القرطاس فكذلك معنى استوائه تعالى على العرش استعماله تعالى إياه بواسطة ملك مقرب هو مثال رحمانيته وتجلّيه له وظهوره فيه ، بحيث لا يتكون متكوّن في عالم العناصر إلا ويظهر أصله في عرش اللّه ، ثم بواسطته يسري في عالم السماوات التي هي بمنزلة الأعصاب والرباطات للإنسان الكبير ، ثم يوجد في هذا العالم صورة منه في هيولى العنصريات التي هي مداد كلمات اللّه على صفحة الأرض ، وهي المعبّر بالبحر المسجور وإليها الإشارة في قوله تعالى : لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً [ 18 / 109 ] . وهاهنا أسرار عظيمة عزيزة أعزّ وأرفع من أن يمكن كشفها على غير أهلها كما هو حقه ، بها يتبيّن تمام المضاهاة بين فعل الآدمي داخل العالم الصغير وخارجه ، وفعل القدرة الإلهية داخل العالم الكبير وخارجه ، فإن من لم يعرف شمول جوهر النفس الآدمية جميع أفاعيلها الغيبية والشهادية ، الداخلية والخارجة ، يرجع ويقول اغترارا بظواهر ما وصل إليه من كتب الحكماء أو فهمه من كتب الأطباء ان فعل النفس لذاتها ليس إلا إدراك المعقولات ، وأما الأفاعيل البدنية الداخلة فهي منسوبة إلى القوى كالهاضمة والجاذبة والدافعة وغيرها ، أما الأفاعيل الخارجة كالكتابة والحياكة والصياغة فهي منسوبة إلى الأعضاء بواسطة الآلات الصناعية ، فلم يتم في حقه كون النفس مثالا للربّ تعالى ذاتا وصفة وفعلا وآثارا ، ولم يتم عنده التوحيد الأفعالي المستفاد في هذه الآية من قوله : ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ [ 32 / 4 ] . ثم لا يخفى ان المكوّنات العنصرية خارجة عن العالم الكبير الحيواني لما ثبت