صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
322
تفسير القرآن الكريم
الباطلة ، ولهذا وقع الاشتراك بينهما في الخصائص والأحوال . أما ترى إن شأن كل منهما الإحالة والتحليل ، ودأبهما الإماتة والتبديل ، أشخاصهما أبدا في الذوبان والانتقال ، وأجسامهما دائما في الحركة والارتحال ، حال الساكنين في الدنيا نظير ما حكى اللّه عن حال سكّان الجحيم بقوله : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [ 4 / 56 ] فاشتركوا في الاستحالة والذوبان وكذا حال أهل الدنيا في تضاد عناصرهم في الكيفيات المحسوسة وتباغض نفوسهم في الأغراض الخسيسة النفسانية والدواعي القبيحة الدنية ، وتخالف مذاهبهم الناشئة عن المخاصمة والعناد ، والمناقشة في الحسد واللداد كحال أصحاب الجحيم فيما ذكره سبحانه بقوله : كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها [ 7 / 38 ] وبقوله : إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ 38 / 64 ] إلى غير ذلك من الخصائص الجامعة للدنيا والجحيم والصفات المشتركة بينهما التي تدل على أن الدنيا بعينها صورة الجحيم ، والجحيم بعينها حقيقة الدنيا . وعلى هذا الرأي شواهد عقليّة ، ومؤيّدات نقليّة ، وإشارات قرآنيّة ، ورموزات نبويّة ، ونصوص الهاميّة ، وبراهين حدسيّة ، يستعرفها من يعرفها ويستنكرها من ينكرها . ( 20 ) وإذ قد ثبت جهة الاتحاد بين الجحيم والدنيا وإن أصحاب الجحيم هم بأعيانهم من أصحاب الدنيا أشار سبحانه إلى بيان ماهية الدنيا ليعلم كيفية استتباعها للنار ، واستلزام التلذذ بشهواتها للتعذب بعقوبات الجحيم ، فأمر بمعرفة ماهيّتها وخصائصها وحقيقة زهراتها ولذاتها بكونها لعب ولهو ، وما ينبعث منها كالتفاخر في الأمور الخسيسة والتكاثر فيها ، وهي أمور باطلة وهمية لا حقيقة لها ، كما لا حقيقة للنار إلا كونها قطّاعة نزاعة مفرّقة للاتصال ، معدمة للكون والحياة ، وجميع ما ذكرناه أمور عدمية لا حقيقة لها . وهذه الإشراق والنورية والتلّون التي يتراءى من هذه النار الدنياوية ليست داخلة في حقيقة ناريّتها لأنها ليست نارا صرفة بل نار مخلوطة بنور ولها مرتبة في