صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

323

تفسير القرآن الكريم

الكون والتحصّل ، وأما النار الصرفة الأخروية فهي ليست إلا إهلاكا وايلاما ، ولذلك قيل : « هذه النار الدنياوية غسلت بسبعين ماء عند مراتب تنزّلها إلى هذا الدنيا » « 1 » ليمكن الانتفاع بها رحمة من اللّه تعالى ، والنار الأخروية مخلوقة من عين غضبه تعالى على من يستحقه . ثم ذكر مثالا مناسبا لدثورها وزوالها ، ثم أشار إلى أن المتوغّلين فيها ، المطمئنين إليها مآلهم إلى الجحيم ، حيث عقّب ذكر التمثيل في فنائها وفسادها وإعجاب الكفار بزينتها بقوله : وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ ولما كان من عادة القرآن أن لا يتجرد ذكر الغضب والعذاب عن ذكر الرحمة والمغفرة عطف عليه قوله : وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ . ثم رجع إلى تأكيد ذمّ الحياة الدنيا بأنها متاع الغرور . ( 21 ) ثم أكّد في بيان الاجتناب عن الدنيا بأن أمر في المسارعة في التباعد عنها للوصول إلى المغفرة والجنّة ، كمسارعة السابقين في المضمار ، وذكر تشويقا للعباد في هذه المسارعة بوصف عظمة الجنّة وسعة ملكها بما يتصور من البسطة والسعة ، وأنها معدّة للعارفين باللّه ورسله ، وأنها من مراتب فضل اللّه ودرجات تجلّيه على الأفعال والآثار وتطوّره بالأطوار ، وذكر إنه ذو الفضل العظيم ، فإن جميع العوالم والنشآت من فضائل ذاته المتعالية عن الشبه والنظير ، ومن رشحات فيضه المتعالي عن القصور والتقتير ، وهذه الفضائل الأفعالية زائدة على شئونات ذاته وتجلّيات وجهه في غيب غيوبه التي لا يحيط بها العدّ والإحصاء ، ولا يمكن لها النعت والثناء . ولهذا ذكر عقيبه بأن كل ما يوجد في هذا العالم سواء كانت أمورا خارجية أو ذهنية آفاقية أو أنفسية ، فهي مما كانت قبل خلقها في كتاب من علمه تعالى الذي هو من مراتب شؤونه الصفاتية تفصيلا ، أو الذاتية إجمالا .

--> ( 1 ) راجع البحار : 8 / 288 . والترمذي : 4 / 709 .