صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

26

تفسير القرآن الكريم

قوله سبحانه : [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 3 ] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 3 ) لفظة : « أم » هاهنا هي المنقطعة الكائنة بمعنى كلمة « بل » الإضرابية والهمزة الإنكارية ، كأنه تعالى لما أشار أولا إلى حقيقة القرآن وعظمته الثابتة له في عالم اللوح والقلم وقضاء اللّه الاتمّ ، ثم رتّب عليه تنزيله من رب العالمين ، وأكّد ذلك بنفي الريب عنه لأهل اللّه والعلماء الراسخين ، فأضرب عنه إلى ما يقولون فيه ويلحدون في حقيقته إلى خلاف ذلك إنكارا لقولهم وتعجيبا من جحودهم ، فإن الأمر أظهر من أن يخفى على عقلائهم لظهور العجز في إتيان ثلاث آيات منه عن بلغائهم ، ثم أضرب إلى إثبات ما هو بصدده من إثبات انه الحق المنزل من الرب تعالى . ومثّل صاحب الكشاف هذا الأسلوب الصحيح المحكم بأنه يعلل العالم في مسألة بعلّة صحيحة جامعة ، قد احترز فيها أنواع الاحتراز ، كقول المتكلمين : النظر أول الأفعال الواجبة على الإطلاق ، التي لا يعرى عن وجوبها مكلّف ، ثم يعترض عليه فيها ببعض ما وقع احترازه منه ، فيرده بتلخيص انه احترز من ذلك ، ثم يعود إلى تقرير كلامه ، وتمشيته . ثم بين فائدة التنزيل وهي إنذار قوم لم يأتهم من قبل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وذلك ان قريشا لم يبعث اللّه إليهم رسولا قبله صلى اللّه عليه وآله وسلم ، كقوله : ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ [ 36 / 6 ] ترجيا من الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم لهدايتهم مثل ترجي موسى وهارون ، الواقع في قوله تعالى : لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ [ 20 / 44 ] ويحتمل أن يكون لفظ الترجي مستعارا للإرادة فيكون من اللّه تعالى . مكاشفة لما علمت إن نفي الريب في كون الكتاب منزلا من اللّه إنما يكون من القلوب