صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

222

تفسير القرآن الكريم

وهذه الحياة العقلية هي التي وقعت الإشارة إليها بقوله : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ [ 2 / 154 ] عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ 3 / 169 ] وظاهر إن المراد من الحياة التي يكون عند اللّه هي الحياة المعنوية دون الجسمية ( الحسية ) . والمراد من رزق اللّه أن يكون عنده رزق المعارف والعلوم التي بها يتغذّى ويتقوّى الأرواح المقدسة ، لا الأغذية الجسمية التي تنمو بها الأجسام المحسوسة ، كما في قوله : وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [ 20 / 131 ] . وإن أردت حقيقة المقال في بيان النفس الإنسانية ومراتبها في الاستكمال وبلوغها إلى حد الكمال فعليك بمطالعة ما بيّناه في معرفة النفس في كتاب « المبدإ والمعاد » فإنها من الغوامض التي قلما يصل إليها - إلا من أيّده اللّه تعالى بنور الكشف والشهود - ولا يذكر من علم النفس في كتب الحكماء إلا قدر يسير ومرتبة نازلة منه مناسبة لمباحث الطبيعة وأحوال البدن ، وذلك القدر اليسير أيضا قرّة عين السالكين وقد غفل عنه الجمهور كغفلتهم عن سائر المعارف الضرورية في سلوك سبيل الحق . ومما يجب لا أقلّ على كل عارف ( عاقل - ن ) أن يعرف من أحوال نفسه التي هي مرقاة إلى معرفة اللّه سبحانه إنها جوهر ملكوتي من شأنها أن تعرف ربها ويتقرّب إلى اللّه تعالى ، ويعلم إن من اللّه مبدأها وإلى اللّه منتهاها إذا سلكت طريق الحق واكتسبت المعارف الحقيقية والعلوم ويعلم إنها غير البدن الذي أوّله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة وهو فيما بينها حامل العذرة ، ويعلم أيضا إن جهلها موتها وهلاكها في الآخرة - كما ذهب إليه كثير من الحكماء والعرفاء - وإن حياتها الأخروية عبارة عن وجود نور مستفاد هو مبدأ للتعقلات ومنشأ لفعل الخيرات ، كما إن حياتها الدنيوية البدنية عبارة عن كونها منشأ الاحساس والتحريك ، وهو نور يقذف من الحقّ الأول فيها فينفعل منه كما ينفعل من نور الشمس وجه الأرض ، فأشرقت بها كما أشرقت الأرض بنور ربها 108 ، فعند ذلك يظهر بها الحقائق والماهيات التي ليست معقولة بذاتها كما