صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
223
تفسير القرآن الكريم
يظهر بضوء النهار الأجسام الأرضية المظلمة الذوات المستنيرة بنور الشمس ، وحينئذ يستعد للاتصال بالملاء الأعلى وعالم القدس . ولما كان كل ما يخرج من القوة إلى الفعل ، ومن الموت إلى الحياة ، ومن الظلمات إلى النور يخرج بسبب متوسط بينه وبين اللّه لكونه تعالى في غاية الوحدة والإشراق والعظمة لا يحتمل شدة نوريّته النافذة في العالم ضعفاء البصائر والأبصار إلا بمتوسط عقلاني وعالم رباني ، ورسول من الحق إلى الخلق - كالملائكة للأنبياء ، والأنبياء للخلائق - فيجب أن يخرج هذه القوة الميّتة الهيولانية بشيء يكون كاملا بالذات ، فعّالا للمعقولات ، والأنوار العقلية كالشمس الفعالة للأنوار المحسوسة ، وليست فيه شائبة نقص وآفة وقوة إلا الإمكان الذاتي الذي هو اعتبار ما في الذهن وقد صار مخفيا تحت سطوع النور الأول الحق بحيث يمتنع ظهوره من كتم الخفاء لتحقّق هذا الجوهر العقلي بالوجود الحقاني واتصافه بالوجوب الارتباطي 109 ولكونه تعالى قهّارا للعدم بالوجود والتحصيل ، جبّارا لما بالقوة بالفعل والتكميل ، فما يفيض منه سبحانه على سنّة الإبداع هي أوائل الموجودات والمهيّمات في ملاحظة جماله وجلاله ، لا التفات لهم إلى ذواتهم النورية المنورة بنور الأول تعالى فضلا عن غيرهم من عالم الأجسام والظلمات . فتلك الطبقة العليا من الجواهر المفارقة أنوار عقلية لا ظلام في عالمها وصباحات 110 ضوائية لا ليالي لها 111 ، وإنما توجد من الطبقة التالية 112 العرضية التي هي في صف آخر من صفوف العقول والملائكة القادسة ، وهم الأدنون في أسافل العالم الجسماني 113 ليال عشر من غير التفات منها إلى ما دونها ، بل عند التفاتهم إلى ذواتهم المستنيرة بنور الحق الأول المشاهدة له سبحانه وقعت منهم ظلال الأجسام الكلية وليالي الهيوليات العشر - تسع للأفلاك وواحدة للعناصر وما يتركب منها - وكما يفيض مما يلينا منهم والأقرب بالقياس إلينا هيولى هذا العالم السفلى ، فكذلك يفيض منه على القوابل والأراضي العقلية والحسية بما فيه 114 من آثار رحمة اللّه الصور والنفوس والهيئات والنقوش من كمالاتها الثانوية كما في قوله : فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ