صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
178
تفسير القرآن الكريم
وكلاء مستخلفين فيها . وإنما أوضح اللّه سبحانه كون المال عارية بيد صاحبه ليهان على الناس الإنفاق منه كما يهون عليهم النفقة من مال غيرهم إذا كانوا مأذونين فيه مأمورين به . وعن الحسن : أنفقوا من المال الذي استخلفكم اللّه فيه بوراثتكم إياه عمّن قبلكم . وفي هذا تنبيه على أن المال حيث انتقل وصار إليكم ممن قبلكم وسيصير منكم إلى من خلفكم ينبغي أن تعتبروا بحال من سبقكم وعدم انتفاعه به نفسه ، وأن تنفعوا أنفسكم بالإنفاق منها وأن يستوفوا حظوظكم البدنية والعقلية الدنيوية والدينية منها قبل أن يخرج الأمر من يدكم وينتقل المال إلى غيركم . مكاشفة واعلم إن هذا الحكم كما يشمل النعم الخارجية كذلك يشمل النعم الداخلية من الأعضاء والحواس والقوى التي أنعمها اللّه إيانا وخوّلنا الاستمتاع بها في الدنيا للانتفاع بها لأجل الآخرة ، بأن نصرفها في عبادة الرب ومعرفته وسيزول ويتخلف عنّا عن قريب ، بل النعم الداخلية البدنية كالنعم المالية الخارجية في كونها مبائنة لأرواحنا ، خارجة عن ذواتنا ، عارية في تصرفنا ، إلا أن بعضها نعمة طبيعية متصلة بالبدن موجودة له ، وبعضها نعمة خارجة عن البدن مبائنة له كما للروح ، وسيهلك البدن ويفنى كل ما عليه وفيه من القوى والآلات والمشاعر ، ويبقى الروح وحيدا منفردا عنها عائدا إلى ربه إما شاكرا وإما كفورا . قوله عز وجل : فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ أي : جزاء عظيم وثواب جسيم لا يكدره آفة ولا ينقصه زوال ، وإنما يكون كذلك لأن كمال الإنسان منوط بالعلم والعمل ليتزيّن ذاته العقلية بالمعارف الحقة والإلهيات ، ويتخلص نفسه العملية عن التعلق بالشهوات المؤذيات باقتناء الفضائل والاجتناب عن