صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

157

تفسير القرآن الكريم

إذ لا معنى له بذاته 31 إلا صريح ذاته ، لأن صفاته ليست زائدة على ذاته كما أوضحه الربانيون . أو لا ترى الشمس التي هي أشد الأنوار الحسية وأقوى الأضواء البصرية كيف احتجبت لفرط ظهورها على الحاسّة البصرية حتى لا يمكن للبصر لأجل ضعف قوته ملاحظتها إلا من وراء الحجاب كالمرآة أو الماء أو السحاب الرقيق ، كما قال الشاعر : كالشمس يمنعك اجتلاؤك وجهها * فإذا اكتست برقيق غيم أمكنا فكذلك الحق سبحانه ، فإنه وإن لم تحط بحقيقته العقول والأفكار ولم يدرك ذاته البصائر والأبصار إلا أنه ليس لوجهه نقاب إلا النور ، ولا لذاته حجاب إلا الظهور ، ولم يمنع القلوب من الاستنارة والاستجلاء بعد تزكّيها عن كدورات الشهوات إلا شدة الإشراق وضعف الأحداق . فسبحان من اختفى عن بصائر الخلق نوره واحتجب عن عقولهم لفرط الوضوح ظهوره ، وهو بكل شيء عليم ، لأنه بنور ذاته يظهر جميع الأشياء على ذاته ، إذ العلم بالشيء ليس إلا ظهوره عند شيء آخر ومثوله بين يديه واللّه خالق كل شيء فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء إذ بيده ملكوت الأشياء ، ومنه ينشأ حقائق الانباء . قوله عز وجل : [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 4 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 4 ) أصل الخلق : التقدير . والاستواء : الاعتدال والاستقامة ونقيضه الاعوجاج . والعرش : السرير ومنه : وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ [ 27 / 23 ] والعرش : الملك ، يقال : ثلّ عرشه . والعرش : السقف ، ومنه قوله تعالى : فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [ 2 / 259 ] . والمعنى : إنه لما ذكر إن جميع الموجودات يمجدّونه ويسبّحونه ويعظّمونه