صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

158

تفسير القرآن الكريم

- كل منها على قدر وعاء وجوده وحوصلة إدراكه وشعوره - لعظمته ومجده وجماله وجلاله ، وبيّن ذلك بأن له التصرف في الجميع بالمالكية والإفادة والإحياء والإماتة ، وأنه أول كل شيء وآخره وظاهره وباطنه ، والمملوك لا محالة تكون خاضعا ساجدا لربه ومطيعا لخالقه ، فأراد أن يشعر بأن كونه بحيث يخضعه ويسجد له الجميع ليس أمرا جزافيا أو اتفاقيا ، أو حكما إجباريا من غير استحقاق ، بل هو أمر يليق بشأنه ، واقع في مقابلة لطفه وإحسانه وكرمه وامتنانه ، حيث نظّم أمور العالم على أبدع نظام وأفاد وجود كليات الجواهر وعظائم الأجرام على أشرف وضع وانتظام . إذ ؟ ؟ ؟ أنشأ أعيان السماوات وأبدعها لا من شيء يقتضيه ولا على مثال يحتذيه ، ثم أمسكها بلا عماد وأنشأ الأرض وأوجدها بلا اعتماد في ستة أيام - ولم يخلقها في لحظة واحدة وإن كان مقدورا له تعالى ، لأن خلقها في هذه المدة أصلح وأليق بحال الكائنات وأنسب بنظام المخلوقات - . ورتّبها على أيام الأسبوع ، فابتدأ بالأحد وختم بالجمعة ، فاجتمع له الخلق يوم الجمعة ، فلذلك تسمى جمعة - عن مجاهد - . وقيل : إن إيجاد الحوادث على إنشاء 32 شيء بعد شيء على التدريج والترتيب أدلّ على كون فاعله عالما مدبرا يصرّفه على اختياره كيف يشاء حريّا بأن يعبده ويسجد له ويطيع أمره جميع عباده ومن كان في ملكه وملكوته . وقوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أي : استوى أمره إلى ملكه لأن الأمور والتدابير تنزل منه . وعن الحسن : يعني استقر ملكه واستقام بعد خلق السماوات والأرض وظهر ذلك للملائكة . وإنما أخرج هذا على المتعارف في كلام العرب كقولهم : « استوى الملك على عرشه » - إذا انتظمت أمور مملكته - وإذا اختلّ أمر ملكه قالوا : « ثلّ عرشه » . ولعل ذلك الملك لا يكون له سرير أصلا ولا يجلس على سريره أبدا ، قال الشاعر :