صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
156
تفسير القرآن الكريم
فعل الشيطان الوسوسة والإضلال ولا يطيعه الإنسان إلا بقوته الوهمية التي هي من جنود الشيطان ، فإن شئت سمّهم عبدة الهوى وإن شئت سمّهم عبدة الطاغوت فقد نزل لكل ذلك القرآن . فمن تولى اللّه وأحبّ لقائه وجرى على ما أجرى عليه النظام فقد توليّهم و مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [ 6 / 62 ] وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [ 7 / 196 ] من كان للّه كان اللّه له ، و مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [ 29 / 5 ] . ومن تعدى ذلك وطغى وتولى الطواغيت واتّبع الهوى فلكل نوع من الهوى طاغوت ، فشخص كل إلى معبوده ووجّه إليه كما في قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [ 45 / 23 ] . وإنك لتعلم إن النظامات الوهمية والغايات الجزئية تضمحلّ وتبقى ، فكل من كان إلهه هواه ووليّه الطاغوت - والطاغوت من جوهرة هذه النشأة الدنياوية التي هي دار الغرور وموطن الزور - كلما أمعنت هذه النشأة في العدم ازداد الطاغوت اضمحلالا فيذهب به ممعنا في وروده العدم ، متقلبا به في الدركات حتى يحلّه دار البوار . عصمنا اللّه وإخواننا في اليقين من متابعة الهوى والركون إلى زخارف الدنيا وجعلنا من عباده الصالحين الذين يتولاهم رحمته يوم الدين . وأما كونه ظاهرا : فلكونه نور السماوات والأرض ، والنور حقيقته الظهور ، لأن ما ليست حقيقته النور فإنما يظهر بالنور ، والنور بنفسه ظاهر وبذاته متجلّ . وأما كونه باطنا - أي مختفيا - : فلشدة ظهوره وغاية وضوحه ولأجل ذلك يختفى على الضمائر والأنظار ويحتجب عن العقول والأبصار فذاته بذاته متجلّ للأشياء ولأجل قصور بعض الذات عن قبول تجليّه يحتجب ، فبالحقيقة لا حجاب إلا في المحجوبين . والحجاب هو القصور والضعف والنقص ، وليس تجلّيه إلا حقيقة ذاته ،