صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
132
تفسير القرآن الكريم
فكما إن القرآن العظيم يوجد فيه علوم الآخرة ومكاشفات الأسرار الإلهية والآيات الربوبية ، فكذلك يوجد فيه أحكام الحلّ والحرمة ، وطريق المعاملات ، وكيفية المعاشرة مع الخلق وعلم التمدن والسياسات ، والجروح والقصاص ، والأقضية والحكومات ، فتلك الآخرة ، وهذه الدنيا على وجه يكون وسيلة للآخرة ، فافهم واغتنم . أفلا يبصرون : أي آثار الحياة العقلية وشواهد الأنوار الملكوتية في القلوب المهتدية بآيات المعارف القرآنية ، والنفوس التي أنبت اللّه فيها بمياه الألطاف الروحانية ( الرحمانية - ن ) أشجار الكلمات الطيبات التي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، وتلك الأمثال نضربها للناس . قوله سبحانه : [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 28 إلى 29 ] وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 28 ) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 29 ) قال الفراء : المراد به فتح مكة ، وقال السدي : « الفتح » هو القضاء بعذابهم في الدنيا وهو يوم بدر ، وقال مجاهد : هو الحكم بالثواب والعقاب يوم القيامة . كان الكفار يسمعون المسلمين يستفتحون باللّه عليهم ، فقالوا لهم : متى هذا الفتح ؟ فأمر اللّه نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم بأن يقول لهم وينبئهم على أن بعد الفتح لا ينفع ايمان من كان كافرا من قبل ، كما في قوله تعالى يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [ 6 / 169 ] أي لا يمهلون ولا يؤخر عنهم العذاب . هذا على تقدير أن تكون يوم الفتح القيامة ، وأما على أحد الوجهين الأخيرين ففيه إشكالان : أحدهما عدم مطابقة الجواب للسؤال في الظاهر ، والثاني إنه قد نفع الايمان الطلقاء يوم فتح مكة وناسا يوم بدر .