صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

12

تفسير القرآن الكريم

تعالى : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [ 41 / 44 ] . وليس المراد بالايمان في هذا المقام ما هو بحسب الظاهر وإلا لما وقع التكليف به للموصوفين بهذا الظاهر في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ [ 4 / 136 ] ولا شبهة في أن المشتغلين بالدنيا المنهمكين في اللذات ليسوا من أهل الاهتداء بنور القرآن ولا يمكنهم الارتقاء إلى نشأة العرفان لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ [ 13 / 18 - 19 ] . وإلى ذلك أشير في قول سقراط وهو أحد أساطين الحكماء ، الذين اقتسبوا أنوار الحكمة من مشكاة بواطن النبوة : « البدن الذي ليس بالنقيّ كلما غذوته فقد زدته شرا أو وبالا » وقد ذكر المفسرون لكلامه أن المراد منه الإشارة إلى كيفية اقتناء العلوم الربانية ، التي يتوقف الاستكمال بها على تصفية السر عن محبة الشهوات وتخلية الباطن عن الوساوس والكدورات ، وهو أيضا دواء نافع للعقول السليمة وسمّ ناقع للبواطن المئوفة الشريرة السقيمة بسقم الجهل المركب المشفوع بالعناد والجدل واللداد ، وحب الجاه والشهرة والاستيناس بالناس ، الذي هو من علامة الإفلاس ، ولذلك قال اللّه تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [ 2 / 26 ] وأشير أيضا إلى أهل الحجاب الكلي بقوله تعالى وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ 36 / 9 ] وقوله تعالى : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً [ 17 / 45 ] وأشير إلى المعاندين الجاحدين للحق ، وهم أسوء حالا بقوله : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ 31 / 7 ] وقوله تعالى : وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً