صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

12

تفسير القرآن الكريم

قسطاس مستقيم يوزن به مثاقيل الانظار وموازين الأفكار ، فقال في قصة نوح : يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [ 11 / 32 ] . وقال في قصة إبراهيم أبي الأنبياء وشيخ الموحدين - على نبينا وآله وعليه الصلاة والتسليم - : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [ 2 / 258 ] . وقال سبحانه في أخباره عن نظره واعتباره : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ - إلى قوله - فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي - الآية - [ 6 / 77 - 79 ] فسلك عليه السلام طريق الحركة في اثبات الربوبية ، فأخرج هذه الاجرام عن الربوبية بعلة اشتراكها في الأفول والزوال والانتقال من حال إلى حال ، وسمى استدلاله حجة وأضافه إلى نفسه فقال عز وجل : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ [ 6 / 83 ] فإنه تعالى بالعلم رفع درجة إبراهيم عليه السلام ، ثم أمر بذلك رسوله المصطفى صلى اللّه عليه وآله : بقوله أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [ 16 / 123 ] فيقتضي أمره تعالى أن يحتج كما احتج ، ويستدل كما استدل ، فقال عز من قائل : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ 16 / 125 ] . فهذه ثلاث صناعات من الصناعات الخمس المذكورة ، أعني : البرهان والخطابة والجدل ، إذ الصناعتان الأخريان - أعني : الشعر والمغالطة - غير لائقتين بشأن النبي ( ص ) ، وما ينبغي له الشعر لدنائته ووهنه ، ولا المغالطة - لان التغليط ينافي منصب النبوة والإهداء ، وجلالة النبي ( ص ) أرفع من أن يوقع عليه الغلط