صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
19
تفسير القرآن الكريم
جئت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله أنظر ما يصنع ، قال : فجئت ، فإذا هو ساجد يقول : « يا حي يا قيّوم » لا يزيد على ذلك ، ثم رجعت إلى القتال ، ثم جئت وهو يقول ذلك - فلا أزال أذهب وأرجع وأنظر إليه ولا يزيد على ذلك إلى أن فتح اللّه له » . وناهيك إيقانا بهذا أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم وأشرف المذكورات والمعلومات هو اللّه تعالى بل هو متعال عن أن يقال : « إنه هو أشرف من غيره » لأن ذلك يقتضي نوع مجانسة ومشاكلة ، وهو مقدّس عن مجانسة ما سواه ، ولما كانت الآية مشتملة من نعوت جماله وأوصاف كبريائه على الأصول والمهمات فلا جرم وصلت في الشرف إلى أقصى الغايات . فقد ثبت مجملا وتحقّق بما أشرنا إليه قبل الخوض في بيانه أن لآية الكرسي بخصوصها سيادة وشرافة على كل واحدة واحدة من آيات القرآن ، لأنها أجمع من كل منها وأشمل لمعان هي روح القرآن ولبابه الأصفى - من معرفة الذات والصفات والأفعال - إذ ليست هذه المعاني مجموعة في غيرها من الآيات وهي بأسرها مذكورة فيها ، فإن قوله تعالى : « اللّه » إشارة إلى الذات الموصوفة بالوجوب والغنى الذاتيين ، « والإلهية » إفادة الوجود وإعطاء الكمال والخير والجود لغيره وقوله : « لا إله الّا هو » إشارة إلى توحيد الذات ونفي الممائل في الوجود والشريك في الإيجاد والشبيه في الصفة . وقوله : « الحيّ القيّوم » إشارة إلى نعت الذات وجلالتها وعظمتها لما فيه من معنى الحياة المأخوذ فيه العلم والقدرة وسائر ما يتعلق بهما ويتعلقا به ( ومتعلقاته - ومتعلقا به - ن ) إذ « الحي » هو الذي يدرك ويفعل ، ومعنى « القيّومية » المستفاد منه جميع الصفات الكمالية والبراءة عن جميع النقائص الإمكانية ، فإن معنى « القيّوم » هو الذي يقوم بنفسه ويجب بذاته ويقوم به غيره فلا يتعلق قوامه بشيء ، وهو يستلزم سلب النقائص كلها ، إذ ما من نقيصة إلا ومنبعه الافتقار الذاتي