صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

20

تفسير القرآن الكريم

والإمكان ، ويتعلق به قوام كل شيء وهو يستلزم استجماع الخيرات والفضائل كلها ومنبعيّة كمالات الأشياء ومقاصدها بأسرها التي تتم بها قصوراتها وتجبر بها نقصاناتها ، وهذا غاية العظمة والجلالة . وقوله : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ من الصفات التقديسية السلبية ، لأنه تنزيه وتقديس له عما ينافي القدم والإلهية من صفات الحوادث وسمات المركبات ولا شك أن التقديس عن وصمة التنقيص نوع من العرفان بل أوضح أقسامه في حق من لا سبيل إلى اكتناه ذاته بالبرهان . وقوله : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إشارة إلى الأفعال كلها خلقها وأمرها ، وعقولها ونفوسها ، وأعاليها وسوافلها ، وأن جميعها يبتدي ويصدر منه ، وينتهي ويرجع إليه . وقوله : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ إشارة إلى انفراده بالملك والأمر وتوحّده بالوجود والتقوّم ، وفناء ذوات الكل عند ذاته ، واضمحلال أشعّة نفوسهم عند سطوع النور الأول ، وأن من يملك الشفاعة والوساطة فإنما يملكها بتشريفه إياه والإذن فيه بالأمر التكويني المتعلق أولا بذوات الوسائط المستمعة بآذان قابلياتها الواعية الصافية ، وقلوبها السامعة الفاهمة خطاب الحق بقول « كن » وأمره في دخولها دار الكون قبل غيرها وإجابة دعوته تعالى وامتثال أمره في دخولها باستماع الخطاب وإدخال غيرها بإسماع كلامه تعالى إياه لقوله تعالى : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [ 78 / 38 ] . وقوله : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ - الآية إشارة إلى صفة العلم على الوجه التفصيلي الذي هو آخر مراتب العلم ونفي صفة العلم المساوق للحياة بل الوجود عن غيره ، إلا من عطائه وموهبته حسب إرادته ومشيته .