صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
8
تفسير القرآن الكريم
وعن الثاني بأنّ إبليس شكا تكريمه ، وذلك التكريم لا نسلّم أنّه حصل بمجرّد كونه مسجودا ، بل لعلّه حصل بذلك مع انضمام أمور أخرى . وكلا الجوابين لا يخلو عن ضعف : أمّا الأوّل فلا شبهة في ندرة وقوع اللام في مثلها . والظاهر إنها [ ليس ] بمعنى « إلى » أو « في » . وأمّا الثاني فإنّ الظاهر الواضح أنّ منشأ عصيان إبليس وتمرّده ، ومبدأ كفره وجحوده هو مسجوديّة آدم ، كما دلّ عليه قوله [ تعالى ] : أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً [ 17 / 61 ] وقوله : لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ [ 15 / 33 ] . * * * القول الثاني : إنّ السجدة كانت له عليه السلام تعظيما له وتحيّة ، كالسلام عليه منهم ، وكانت الأمم السالفة يتحيّون ملوكهم وأنبيائهم كتحيّة المسلمين بعضهم بعضا . قال قتادة في قوله تعالى : وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً [ 12 / 100 ] كانت تحيّة الناس يومئذ سجود بعضهم بعضا . و عن صهيب « 1 » : إنّ معاذ لمّا قدم من اليمن سجد للنبي صلّى اللّه عليه وآله ، فقال : يا معاذ ما هذا ؟ فقال : إنّ اليهود يسجد لعظمائها ، ورأيت النصارى يسجد لقسّيسها وبطارقتها قلت : ما هذا ؟ قالوا : تحيّة الأنبياء . فقال صلوات اللّه عليه وآله : « كذبوا على أنبيائهم » . و عن الثوري « 2 » ، عن سماك بن هاني ، قال : دخل الجاثليق على عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، فأراد أن يسجد له ، فقال له عليّ عليه السّلام : اسجد للّه . ولا تسجد لي ،
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 427 . وجاء ما يقرب منه في المسند : 4 / 381 . ( 2 ) الفخر الرازي : 1 / 427 .