صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
5
تفسير القرآن الكريم
[ معنى السجدة وسبب مسجوديّة آدم ] والسجود في الأصل تذلّل وانقياد مع تطأطأ الرأس . يقال : سجد البعير وأسجد : طأطأ رأسه لراكبه . قال الشاعر « 1 » : « وقلن له أسجد لليلى فأسجدا » وقال : « ترى الاكم فيها سجّدا للحوافر » اي تلك الجبال الصغار كانت مذلّلة لحوافر الخيل ، ومنه قوله تعالى : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ [ 55 / 6 ] . وفي الشرع وضع الجبهة على الأرض قصدا للعبادة . والمراد منه هاهنا إمّا المعنى اللغوي ، وهو التواضع لآدم تحيّة وتعظيما له كسجود إخوة يوسف وأبواه له ، أو التذلّل والانقياد بالسعي في تحصيل ما ينوط به أمور معاشهم ويتمّ به أحوال كمالهم بحسب معادهم ، لأنّهم وسائط تدبيرات هذا العالم ، وتحريكات الأجرام واستحالاتها وانقلاباتها لأن يتكوّن منها الكائنات التي غايتها خلقة الإنسان ، لأنّ من أفراده عرفاء الرحمن . وإمّا المعنى الشرعي : فهيهنا يحتمل السجود وجوها ثلاثة : إمّا أن يكون المسجود له هو اللّه تعالى . فحينئذ إمّا أن جعل آدم قبلة لسجودهم كالكعبة تفخيما لشأنه . وإمّا أن كان آدم سببا لوجوب السجدة ، فكأنّه تعالى لمّا خلقه بحيث أن كان أنموذجا للمبدعات كلّها - بل للموجودات بأسرها - وجعله نسخة مختصرة لما في العالم الروحاني والعالم الجسماني ، وذريعة للملائكة إلى استيفاء ما قدّر لهم من الكمالات الفعليّة ، وفاض عليهم من الإشراقات النوريّة من جهة تحريكاتهم الكليّة ، ووصلة إلى ظهور ما صدر عنهم من الخيرات وترتّب عليهم من وجود الأكوان الصوريّة والحوادث الأرضيّة بواسطة الحركات السماويّة ، فأمروا بالسجود تذلّلا
--> ( 1 ) قال أبو عبيد : « وأنشدني أعرابي من بني أسد : وقلن . . . » تهذيب اللغة . 1 / 569 .