صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
6
تفسير القرآن الكريم
لما رأوا من عظيم قدرة اللّه وباهر آياته في نظم العالم من الأعلى إلى الأسفل ، ثمّ من الأسفل إلى الأعلى بواسطة الإنسان الذي به ترتقي سلسلة الوجود - الهابط إلى أسفل السافلين - إلى أعلى عليّين ، وشكرا لما أنعم اللّه عليهم بواسطته . فاللام فيه كاللام في قول حسّان في مدح أمير المؤمنين عليه السّلام : ما كنت أعرف إنّ الأمر منصرف * عن هاشم ، ثمّ منها عن أبي حسن أليس أوّل من صلّى لقبلتكم * وأعرف الناس بالقرآن والسنن أو في قوله تعالى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [ 17 / 78 ] . وإما أن يكون المسجود هو الإنسان ، لكن [ لا ] من حيث هويّته الإمكانيّة ليلزم الإشراك ، بل من حيث بلوغه إلى مقام القرب الإلهي ، ورجوعه وحشره إلى الحضرة الإلهية ، وفنائه عن ذاته ، وبقائه ببقاء اللّه لا ببقاء غيره ، ففي هذا المقام يصير الروح الإنساني كمرآة مصقولة لا لون فيه ، انعكس عليه وجه اللّه الباقي على نهج التجلي - لا على وجه الحلول والاتحاد ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا - فسجودهم لآدم عليه السّلام من هذه الجهة سجود للّه - لا له . ومما يوضح ذلك إنّ كلّ من عبد اللّه وسجد له لا بدّ أن يتصوّره في ضميره بوجه من الوجوه ، ويشاهده في باطنه ، إذ العبادة والسجدة للمجهول المطلق محال ، ولهذا قد ورد في الحديث عنه صلّى اللّه عليه وآله « 1 » « الإحسان أن تعبد اللّه كأنّك تراه » . ثمّ إنّك كلّما تصوّرته أو تخيّلته من اللّه فهو سبحانه وراء ذلك ، فإن نظرت إليه بما هو صورة معيّنة لها صفات معيّنة امكانيّة أو مكانيّة فقد عبدت غير اللّه وسجدت لسواه : وإن نظرت إلى الحقّ وجعلتها مرآة لملاحظة المعبود الحقيقي ولم تجعل النظر نظرين - نظرا إلى المرآة ، ونظرا إلى المرئي - فقد عبدت اللّه مخلصا محسنا .
--> ( 1 ) الجامع الصغير : 1 / 122 .