صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
15
تفسير القرآن الكريم
كانت تقاتل الجنّ ، فسبي إبليس ، فلذلك قال تعالى إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ . وروى مجاهد وطاوس عنه أيضا إنه قال « 1 » « كان إبليس قبل أن يرتكب المعصية ملكا من الملائكة اسمه « عزازيل » وكان من سكّان الأرض . وكان سكّان الأرض من الملائكة يسمّون « الجنّ » ولم يكن من الملائكة أشدّ اجتهادا ولا أكثر علما منه ، فلمّا تكبّر على اللّه وأبي السجود لآدم وعصاه لعنه وجعله شيطانا مريدا وسمّاه إبليس . قال الشيخ محي الدين الأعرابي في الباب الحادي والخمسين من الفتوحات المكيّة « 2 » : « اعلم إن الجانّ هم أصل العالم الطبيعي « 3 » ، ويتخيّل جليسهم بما يخبرونه من حوادث الأكوان وما يجري في هذا العالم بما يحصل لهم من استراق السمع من الملأ الأعلى ، فيظنّ جليسهم إن ذلك من كرامة اللّه به - هيهات لما ظنّوا . ولهذا ما ترى أحدا قط جالسهم فحصل عنده منهم علم باللّه جملة واحدة ، وغاية الرجل الذي تعتني به أرواح الجنّ أن يمنحوه من علم خواصّ النبات والأحجار والأسماء والحروف ، فهو علم السيمياء ، فكم يكتسب منه « 4 » إلا العلم الذي ذمّته ألسنة الشرايع الإلهيّة . ومن ادّعى صحبتهم وهو صادق في دعواه فاسأله عن مسألة في العلم الإلهي ما تجد عنده من ذلك ذوقا أصلا ، فرجال اللّه يفروّن من صحبتهم أشدّ فرارا منهم من الناس ، فإنّه لا بدّ أن تحصّل صحبتهم في نفس من يصحبهم كبّرا على الغير وازدراء بمن ليس له في صحبتهم قدمّ . وقد رأينا جماعة ممن صحبوهم حقيقة وظهرت لهم براهين على صحّة ما ادّعوه
--> ( 1 ) الدر المنثور : 1 / 50 . ( 2 ) الفتوحات المكية : 1 / 273 . ( 3 ) المصدر : إن الجانّ هم أجهل العالم الطبيعي باللّه . ( 4 ) المصدر : منهم .