صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

16

تفسير القرآن الكريم

من صحبتهم ، وكانوا أهل جدّ واجتهاد - ولكن لم يكن عندهم من جهتهم شمّة من العلم باللّه ورأينا فيهم اغترارا وتكبّرا ، فما زلنا بهم حتّى حلنا بينهم وبين صحبتهم لإنصافهم وطلبهم الانس « 1 » . كما رأينا أيضا ضدّ ذلك منهم ، فما أفلح ولا يفلح من كان هذه صفته إذا كان صادقا ، وأمّا الكاذب فلا نشتغل به . وقال في موضع آخر من هذا الباب « 2 » : « ومنهم من يجالسه الروحانيون من الجانّ ، ولكن دون الجماعة في الرتبة إذا لم يكن له حال سوى هذا ، لأنّهم قريب من الانس في الفضول . والكيّس من الناس من يهرب منهم كما يهرب من الناس ، فإنّ مجالستهم رديّة جدّا قليل أن تنتج خيرا ، لأنّ أصلهم نار والنار كثيرة الحركة ، ومن كثرت حركته كان الفضول أسرع إليه في كلّ شرّ « 3 » ، فهم أشدّ فتنة علي جليسهم من الناس ، فإنّهم قد اجتمعوا في كشف عورات التي ينبغي للعاقل أن يطلع عليه « 4 » ، غير إن الإنس لا تورث مجالسة الإنسان إيّاهم تكبّرا ومجالسة الجنّ ليس كذلك ، فإنّهم بالطبع يورثون في جليسهم التكبّر على الناس وعلى كلّ عبد للّه ، ومن تكبّر على غيره فإنّه يمقته اللّه في نفسه من حيث لا يشعر - هذا هو المكر الخفي . وقال أيضا فيه : « ومنهم من نفس الرحمن عنه بمجالسة الملائكة ، ونعم الجلساء هم ، [ هم ] أنوار خالصة لا فضول عندهم ، وعندهم العلم الأعلى الذي لا مرية فيه ، فيرى جليسهم في مزيد علم باللّه دائما مع الأنفاس .

--> ( 1 ) المصدر : الأنفس . ( 2 ) الفتوحات المكية : 1 / 273 . ( 3 ) المصدر : في كل شيء . ( 4 ) المصدر : فإنهم قد اجتمعوا مع الناس في كشف عورات الناس التي ينبغي للعاقل أن لا يطلع عليها .