صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

7

تفسير القرآن الكريم

المقدّمة الثانية : إنّ موجوديّة الممكنات بحقيقة الوجود الفائض من الحقّ الأول وقد علمت فيما سبق ، إنّ الوجود في كلّ شيء هو نحو وجوده وهو صورة ذاته دون المسمّى بالمهيّة إلّا إنّ صورة الوجود في بعض الأشياء كالمفارقات ، وضرب من الملائكة والمدبّرات العلويّة قائمة في أنفسها بذات باريها وموجدها . وفي بعض الأشياء كالطبائع وضرب من الملكوت والمدبّرات السفليّة ، قائمة لا في أنفسها بل بتبعيّة المحالّ والمقادير ، وكلّ من قسمي الوجود أعني القائم بالذات والقائم بالمقدار ، نور من أنوار اللّه الفائضة عنه في سماوات الأرواح وأراضي الأشباح وهو من اسمه العليم والنّور إذ هو عالم الغيب والشهادة ، واللّه نور السّموات والأرض بل الوجود على مراتبه كلّه نور واللّه نور الأنوار . والإنسان بالقوّة مشتمل على كلّ قسم من النور وأشرف أنواره المكمونة بالقوّة في ذاته بحسب أصل الفطرة ، هو النور العقلي ، المدرك للحقائق ، الفعّال للصور العقليّة والنفسانيّة والحسيّة عند تفرّده بذاته وخروجه من القوّة إلى الفعل واتّصاله بحضرة الحقّ الأول ، وإنّما يخرج من القوّة إلى الفعل عند استكماله بسلوك سبيل الحقّ وانقياد الشريعة الإلهيّة بالايمان والعمل الصالح ، وصرف قواه الإدراكيّة كالحواسّ الظاهرة والتحريكيّة كالقدرة والإرادة والشهوة والغضب فيما خلقت هي لأجله . وهذه القوى أيضا ضروب من الأنوار الوجوديّة التي أنعمها اللّه علينا للاستعمال في التوصّل بها إليه تعالى والتقرّب منه ، وهي أيضا في أول النشأة ضعيفة خامدة في مادّة البدن سيّما الباطنيّة منها كالوهم والخيال من القسم الأول والهوى وحبّ الجاه والرياسة من القسم الثاني ، وهذه الأنوار الحسيّة وكذا محسوساتها ومتعلّقاتها صور مكمونة في موادّ الأجسام سيّما العنصريّة كالصورة الناريّة في الفحم إذ جميع هذه الأجسام التي تلينا وما حولنا بمنزلة الفحم والزغال ، وأنوار صور الحقائق مندمجة فيها ، وإنّما يظهر من البطون ويبرز من الكمون لنا بسبب حركات ورياضات في كورة الدنيا وعالم