صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
8
تفسير القرآن الكريم
الطبيعة هي بمنزلة النفاخات الواقعة في كورة الحدّادين . وأول ما يخرج إلى الفعل من القوّة وإلى البروز من الكمون هي صورة الحسّ والمحسوس ، إذ كلّ إدراك سواء كان حسّا أو تخيّلا أو وهما أو تعقّلا أو تألّها ، فهو بضرب من التجريد ، ومراتب التجريدات في الشدّة والضعف كمراتب الإدراكات في الكمال والنقص ، فأقلّ التجريدات التجريد الحاصل في الحسّ ، فإنّ الحسّ تجرّد الصورة القائمة بالمادّة المغشّاة بالغواشي الماديّة من أصل تلك المادّة ولكن لا يجرّدها من الغواشي ، بل هي معها مع اشتراط أن يكون لمحلها من الحسّ نسبة وضعيّة جسمانيّة إلى تلك المادّة المنتزعة هي عنها حتّى أنّه لو غابت تلك المادّة غابت الصورة أيضا عن الحسّ . وأمّا الخيال فيجرّد الصورة عن المادّة تجريدا أتمّ وإلى أفق المفارقات تقريبا أشدّ فإنّه يجرّدها عن المادّة وعن ملابسها وغواشيها الجسمانيّة من غير اشتراط حضور المادّة أيضا لكن بشرط بقاء تخصّصها وتعيّنها المشابه لتعيّنها المادّي في عالم التمثّل الخيالي . وأما الوهم فيجرّد الصورة تجريدا أتمّ من تجريد الحسّ والخيال جميعا بحيث يتصوّر المعاني الحاصلة في الأجسام ويجرّدها عن الموادّ وعن صفاتها المكتفة بها لكن لا يمكن للوهم تجريد المعنى بالكليّة عن الموادّ الشخصيّة وعن صفاتها جميعا حتى عن اضافتها إلى الشخص بل يتصوّر كلّا من المعاني مضافا إلى شخص بعينه ، إذ الوهم نفسه أيضا كذلك لأنّه عبارة عن قوّة عقليّة مضافة إلى جوهر جسماني ، حتّى لو تجرّد عن هذه الإضافات صار الوهم عقلا والشيطان ملكا والجربزة حكمة . وأمّا العقل فشأنه تجريد الصور عن الموادّ تجريدا أتمّ وأقوى من جميع ما سبق لأنّه كما يجرّدها عن الموادّ وملابسها ، يجرّدها عن أنحاء التعلّقات والإضافات كلّها فيصيّرها لبّا خالصا صافيا مقدّسا مطهّرا عن الأرجاس والأدناس لائقا بحضرة القدس وحظيرة الانس وذلك ما أردناه .