صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

6

تفسير القرآن الكريم

وما سيكون في اليقظة لا يبيّن لك في النوم إلّا بضرب الأمثال المحوجة إلى التعبير وكذلك ما سيكون في يقظة يوم القيامة لا يبيّن لك في ليالي حجب الدنيا إلّا في كسوة الأمثال واعني بكسوة الأمثال ما تعرفه من علم التعبير فإنّ شأن علماء التعبير أن يعبروا من الأمثلة إلى الحقائق . ولنذكر لك ثلاثة أمثلة من تعبيرات ابن سيرين يكفيك إن كنت فطنا لفهم معنى المثال ونسبته إلى الحقيقة « 1 » . فقد جاء رجل إليه وقال : رأيت كأنّ في يدي خاتما اختم به أفواه الرجال وفروج النساء . فقال : إنّك مؤذّن تؤذّن في رمضان قبل الفجر . فقال : صدقت . وجاء آخر فقال : رأيت كأني أصبّ الزيت في الزيتون . فقال : إن كان تحتك جارية اشتريتها ففتّش عن حالها فإنّها امّك ، لأنّ الزيتون أصل الزيت فهو ردّ إلى الأصل فنظر فإذن جاريته كانت امّه وقد سبيت في صغره . وقال آخر له : كأنّي اعلّق الدرّ في أعناق الخنازير ، فقال : إنّك تعلّم الحكمة غير أهلها وكان كما قال . فالتعبير من أوله إلى آخره مثال لعرفان طريق الأمثال وليس للأنبياء عليهم السلام أن يتكلّموا مع الخلق إلّا بضرب الأمثال ، لأنّهم كلّفوا أن يكلّموا الناس على قدر عقولهم ، وقدر عقولهم إنّهم في النوم ، كما ورد : « الدنيا دار منام ، والعيش فيها كأحلام » . والنائم لا ينكشف له شيء إلّا بصورة المثل فإذا ماتوا انتبهوا ووصلوا إلى تعبير منامهم وعرفوا إن المثل المضروب لهم كان صادقا كلّه . وإنّما نعنى بالمثل أداء المعنى أو وجوده في صورة إن نظر إلى معناه وباطنه وجد صادقا ، وإن نظر إلى صورته وظاهره وجد كاذبا .

--> ( 1 ) - راجع احياء علوم الدين ، كتاب التوبة : 4 / 23 .