صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
27
تفسير القرآن الكريم
البيان لا يتخطّونه إنّ التمثيلين جميعا من جملة التمثيلات المركّبة ، دون المفرّقة لا يتكلّف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به وهو القول الفحل والمذهب الجذل ، أراد به أن يشبه كيفيّة منتزعة من مجموع أمور تضامّت أجزاؤه وتلاصقت حتّى صارت شيئا واحدا بأخرى مثلها كما في قوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً مثّل حال اليهود في حملهم بما معهم من التورية بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة فامّا أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيّره شيئا واحدا فلا ، فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة ، شبّهت حيرتهم وشدّة الأمر عليهم بما يكابد من طفيت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق . والبحث فيه من وجهين : أحدهما : إن الهيئة الانتزاعيّة الحاصلة من أمرين أو أمور إذا كانت واحدة يجب أن يكون الأمور المنتزعة هي منها أيضا متماثلة متشابهة من الوجه الذي به يصلح للانتزاع ، لما تقرّر في العلوم العقليّة إن المعنى الواحد لا يمكن أن ينتزع من أشياء متخالفة الحقائق من جهة يخالفها سواء كانت بسائطا أو مركّبات ، مثلا الهيئة الإنسانيّة المحسوسة المنتزعة من تركيب أجزاء الإنسان لا يمكن أن ينتزع من تركيب أجزاء الفيل وغيره إلّا على نحو ضعيف المشابهة لها . وثانيهما إنّ المواضع التي ذكرها من القرآن وغيره وادّعى فيها تشبيه المركّب بالمركّب من دون تشبيه الأفراد ، لا نسلّم انّ الأمر فيها كما زعمه ، بل لا يخلوا المواضع عن المشابهة بين الأفراد ، ففي قوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ الآية كما حصل تشبيه حال اليهود وهو جهلهم بما في التورية بحال الحمار وهو جهله بما حمل