صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

28

تفسير القرآن الكريم

عليه ، فكذلك قد حصلت المشابهة بين اليهود والحمار في الحمق والجهالة فإنّ حقيقة الحماريّة وروحها هي الجهالة المفرطة سواء كانت مقترنة مع شكل الحمار أو شكل الإنسان وليس الإنسان إنسانا بشكله وصورة خلقته ، بل بمعنى الإنسانيّة وروح الناطقيّة التي هي عبارة عن إدراك المعارف . وكذا بين التورية وأسفار الحكمة لاتحادهما فيما يؤدّي إلى التعليم والهداية من العلوم الحقيقيّة والمعارف اليقينيّة ، وكذا وقع تشبيه حمل الألفاظ والظواهر وعدم حمل الأسرار والمعاني منهم بحمل أوقار الصحف وعدم الشعور بما فيها ثمّ لا يخفى على ذوى النهى إن هذا القسم ألطف وأحكم وأبلغ فيما هو المقصود من التمثيل وأدلّ على القدرة ؛ فينبغي حمل الآيات عليه مهما أمكن ونحن لا ننكر وجود القسم الثاني في القرآن وغيره . فصل [ نظر في العلّة الفاعليّة ] فإن قيل ما الفائدة في قوله : من السّماء ، مع إنّ الصيّب لا يكون إلّا من السماء ؟ قلنا فيه فائدتان : الأولى : ما مرّ من دلالة تعريف السماء وتنكير الصيّب على أنّه مطبق آخذ بآفاق السماء . والثانية : إنّ من الناس من قصر نظره عن الأسباب العالية المنبعثة من قدرة اللّه وحكمته فقال إنّ المطر إنّما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبة من الأرض إلى الهواء فينعقد هناك من شدة البرودة الزمهريريّة ثمّ ينزل مرّة أخرى على هيئة القطرات فذاك هو المطر ثمّ إنّ اللّه أبطل ذلك المذهب هاهنا بأن ذلك الصيّب نزل من السماء . وكذلك قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً [ 25 / 48 ] وَيُنَزِّلُ