صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
16
تفسير القرآن الكريم
ثمّ ذكروا في الآية سؤالات وأجوبة : « 1 » . أحدها : إنّ مستوقد النار اكتسب لنفسه نورا واللّه تعالى أذهب بنوره وتركه في ظلمات ، والمنافق لم يكتسب خيرا وليس له نور فما وجه التشبيه ؟ والجواب بوجوه : الأول : بما قال السدى إن ناسا دخلوا في الإسلام عند وصول النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى المدينة ثمّ نافقوا فهم بايمانهم اكتسبوا نورا ثمّ بنفاقهم ثانيا أبطلوا ذلك النور ووقعوا في حيرة عظيمة . أقول : وهذا ليس بشيء ، لأن الايمان إن كان مجرّد الإقرار باللسان فليس بنور ، وإن كان العرفان الحقيقي الحاصل بالبرهان فليس بقابل للزوال . والثاني بما ذكره الحسن : وهو انهم لما أظهروا الإسلام فقد ظفروا بحقن دمائهم وسلامة أموالهم عن الغنيمة ، وأولادهم عن السبي ، وظفروا بغنائم الجهاد وسائر أحكام المسلمين ، عدّ ذلك نورا من أنوار الايمان ، ولما كان ذلك بالإضافة إلى العذاب الدائم قليل القدر ، شبّههم بمستوقد النار الذي انتفع بضوءها قليلا ، ثمّ سلب ذلك فدامت حيرته وحسرته للظلمة التي جاء به في أعقاب النار . وكان يسير انتفاعهم في الدنيا يشبه النور ، وعظيم ضررهم في الآخرة يشبه الظلمة . الثالث أن يقال ليس وجه الشبه إن للمنافق نورا ، بل شبّه حاله في تحيّره وو ظلمته في القيامة بحال المستوقد الذي زال نوره وبقي متحيّرا في طريقه المظلم . الرابع إنّه صار ما يظهره المنافق من كلمة الايمان ممثّلا بالنور وذهابه هو ما يظهره لأصحابه من الكفر والنفاق ، وإنّما سمّى مجرّد القول بتلك الكلمة نورا وإن كان القائل بها أظهر في تلك الساعة خلافها ، لأنّه قول حقّ في نفسه . الخامس : إنّه سمّى إظهار الكلمة نورا لأنّه يتزيّن به ظاهره ويصير ممدوحا بسببه
--> ( 1 ) راجع تفسير الفخر الرازي : 1 / 293 ، والكشاف : 1 / 149 .