جلال الدين السيوطي

74

معترك الاقران في اعجاز القرآن

فأقلهم يعلمون ؛ وإما أن يراد به الأصنام ، وعبّر بالأكثر عن الكل ؛ وهو بعيد . ويحتمل أن يكون الحمد للّه من كلام اللّه تعالى ؛ أثنى على نفسه بنفسه ، أو أمرا للنبي صلى اللّه عليه وسلم خاصّا به ، أو عامّا له ولأمته : قولوا الحمد للّه على ما أنعم علينا ؛ بأن هدانا ووفّقنا . وفي قوله : « يَسْتَوُونَ » دليل لمن يقول : إنّ أقلّ الجمع اثنان كما قدمنا . ونفى المساواة يقع في القرآن على وجهين : تارة مطلقا كهذه الآية ، وكقوله : « « 1 » هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ » ، وتارة مع تعيّن الأرجح ؛ كقوله « 2 » : « لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ » . وكقوله « 3 » : « لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ . . . » الآية . وإنما لم يعين هنا الأفضل لظهوره قبل ، وكذلك كلّ أحد يعلم أنّ أصحاب الجنة هم الفائزون . وذلك أنّ أصحاب النار يدخل فيهم العصاة من المؤمنين والكفار ، فهل قصد تفضيل أصحاب الجنة بالإطلاق على أصحاب النار بالإطلاق ، أو على الكفار ؟ فلما أعيد ذكر الأفضل علم أنّ المراد بأصحاب النار أصحابها حقيقة ، وهو [ 230 ا ] من حكم عليه بالخلود فيها . فإن قلت : الآية خرجت مخرج المدح لفاعل ذلك ، فهلّا ذكر فيها صدقة السرّ فقط ؛ لأنها أفضل ؟ والجواب : أنه قصد التنويه على كثرة إنفاقه ومبادرته إلى أفعال البرّ كيفما أمكنه ، وبدأ بالسر ؛ لأنه أفضل . ( فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ ) « 4 » : الضمير للقرية المذكورة في المثل « 5 » .

--> ( 1 ) الزمر : 9 ( 2 ) الحشر : 20 ( 3 ) الحديد : 10 ( 4 ) النحل : 112 ( 5 ) في أول الآية : وضرب اللّه مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت . . .