جلال الدين السيوطي

7

معترك الاقران في اعجاز القرآن

والاصطفاء فعل اللّه ، وفعل اللّه مبنىّ على الابتداء ؛ قال تعالى « 1 » : « كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ » . والصلاح فعل العبد ، وفعل العبد مبنى على الخواتم ؛ قال صلى اللّه عليه وسلم : الأعمال بالخواتم . وأعلم أنّ من سأل اللّه شيئا سأل اللّه منه ، فمن لا يقوم للّه فيما سأل منه لا يعطيه ما يسأل ، ومن قام للّه فيما سأل منه أعطاه بلا مؤنة ؛ ألا ترى أن اللّه أعطى لإبراهيم المال في الدنيا والولد والمعجزات بغير سؤال ، فلما سأل إبراهيم بقوله « 2 » : « إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ » - سأل منه الكلّ ، فقال له : أسلم ، أي الكل إلى الكل ، إن أردت الوصول إلى الكل . ولما سأل منه إحياء الموتى سأل اللّه منه إماتة الحي ؛ ألا ترى أنه قال « 3 » : « فَلَمَّا أَسْلَما » - يعنى وضع السكّين على حلقه قال : إلهي بك ولك وإليك ؛ أي بك الصبر على فراقه ، ومنك إعطاؤه ، ولك الحكم فيه ، وإليك يرجع الأمر كله . فإن قلت : ما الحكمة في جزع إبراهيم وصبر إسماعيل ؟ والجواب : إسماعيل عرف - برؤية المعرفة - أن إبراهيم إنما ابتلى بذبه ، لأنه التفت بقلبه عن اللّه ، فلو أنّ الولد التفت بقلبه لابتلى كما ابتلى إبراهيم . وأيضا جزع إبراهيم على مفارقة حبيب لم يكن له وصلة في ذلك الوقت إلى من هو أحبّ إليه منه . وإبراهيم لم يجزع ؛ لأنه وصل إلى الحبيب المجازى . وقيل لما وضع السكين على حلقه أراه اللّه نورا من أنواره أنساه ما يجد من الألم لوجود لذة ذلك النور ؛ كنساء مصر اللواتي قطّعن أيديهن برؤية يوسف .

--> ( 1 ) الأعراف : 29 ( 2 ) الصافات : 99 ( 3 ) الصافات : 103