جلال الدين السيوطي

58

معترك الاقران في اعجاز القرآن

فإن قلت : ما الفرق بين قوله « 1 » : فانظروا ، ثم « 2 » انظروا ؟ والجواب أنه جعل النظر مسبّبا عن السير في قوله : فانظروا ؛ فكأنه قال : سيروا لأجل النظر . وأما قوله « 2 » : قل سيروا في الأرض ثم انظروا - فمعناه إباحة السير للتجارة وغيرها من المنافع ، وإيجاب النظر في الهالكين . ( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ) « 4 » ، بتشديد الذال بمعنى لا يكذبونك معتقدين لكذبك ، وإنما هم يجحدون الحق مع علمهم به . ومن قرأه بالتخفيف قيل معناه لا يجحدونك كاذبا . يقال : أكذبت فلانا إذا وجدته كاذبا ، كما يقال أحمدته إذا وجدته محمودا . وقيل هي بمعنى التشديد ؛ يقال أكذب فلان فلانا ، وكذّبه بمعنى واحد . وهو الأظهر ؛ لقوله بعد هذا : يجحدون . ويؤيد هذا ما روى أنها نزلت في أبى جهل ؛ فإنه قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنا لا نكذّبك ، ولكن نكذب ما جئت به ، وإنه قال للأخنس ابن شريق : واللّه إن محمدا لصادق ، ولكني أحسده على الشرف . ( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ ) « 5 » ؛ أي من الذين يجهلون أنّ اللّه لو شاء لجمعهم على الهدى . وقد قدمنا أن قول اللّه : فلا تكوننّ - بالتأكيد - لرسوله لإفراط محبته فيه ، لأنّ العادة أن يكون الاجتهاد على قدر المحبة ، بخلاف قوله لنوح « 6 » : « إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ » ؛ لأنه صفىّ ، ولا يبلغ قدر المحب . ( فَرَّطْنا ) « 7 » ؛ أي ضيّعنا وأغفلنا . والمراد بالكتاب في الآية اللّوح المحفوظ . والكلام على هذا عامّ . وقيل القرآن ؛ ومعناه أن اللّه لم يفرط فيه من شئ ؛

--> ( 1 ) آل عمران : 137 ( 2 ) الأنعام : 11 ( 4 ) الأنعام : 33 ( 5 ) الأنعام : 35 ( 6 ) هود : 46 ( 7 ) الأنعام : 38