جلال الدين السيوطي

36

معترك الاقران في اعجاز القرآن

فالجواب أن عزيرا سأل عن القدرة ، فقال : أنى يحيى هذه اللّه بعد موتها ؟ وإبراهيم سأل عن كيفية القدرة ، فقال : كيف تحيى الموتى ؟ لأن قوله أنى بمعنى كيف ؛ إذ لا يشكّ نبىّ اللّه في القدرة ؛ فسؤاله إنما كان على جهة الاستخبار لا الإنكار ، كما زعمه بعضهم . وقيل : إن إبراهيم عرف بالقلب ، فأراد أن يرى بالعين ؛ وذلك أنه لما قال النّمرود : أنا أحيى وأميت ؛ فقتل رجلا وأحيا آخر ؛ فقال إبراهيم « 1 » : « رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى » ؛ لأنى أعلم أنه ليس فعلك كفعله ؛ فأراه اللّه ذلك في أربعة من الطير ؛ وفرّق أجزاءها ، وجعل جزءا من الحمام مع جزء من الدّيك ، وخلط بعضها مع بعض ؛ ليكون أبلغ في القدرة حيث رجع كلّ جزء إلى صاحبه ، فاطمأنّ قلبه كما طلب ؛ ولهذا كانت هذه الطير طير العبرة ؛ وطير المحنة الطاوس الذي كان سبب خروج آدم من الجنة . وطير التجربة الحمار الذي كان لنوح في السفينة حتى دخل إبليس بين قوائمه . وطير الفتنة لداود حيث تسوّر له في المحراب . وطير الهلكة لسليمان . وطير الحجة لعيسى حيث صوّره من طين ، ونفخ فيه ؛ فصار طائرا بإذن اللّه . وطير الكرامة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم . وطير اللعنة [ 223 ب ] للنّمرود حيث دخل في خياشيمه وهي البعوض ، وأمهله ثلاثة أيام ، لعله يتوب . وطير الهلكة للحبشة لما أرادوا هدم الكعبة ؛ فأرسل اللّه عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجّيل ، على كل واحد اسم صاحبه . وطير المعرفة للعارفين يطير حتى يتعلّق بالمولى سبحانه « 2 » . ( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) « 3 » ؛ أي إن لم تنتهوا

--> ( 1 ) البقرة : 260 ( 2 ) قال ابن كثير ( 1 - 315 ) : اختلف المفسرون في هذه الأربعة ما هي ، وإن كان لا طائل تحت تعيينها ؛ إذ لو كان في ذلك مهم لنص عليه القرآن . ( 3 ) البقرة : 279