جلال الدين السيوطي
35
معترك الاقران في اعجاز القرآن
( فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ) « 1 » : الضمير يعود على عزيز . وقيل على الخضر ؛ وذلك أنه مرّ على قرية ، وهي بيت المقدس لما خرّ بها بختنصّر ؛ وقيل قرية الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ؛ فسأل عن كيفية إحيائهم ، فأراه اللّه ذلك عيانا في نفسه ؛ ليزداد بصيرة ، وأماته مائة عام ثم بعثه ، وذلك أنه أماته غدوة يوم ، ثم بعثه قبل الغروب من يوم آخر بعد مائة عام ؛ فظنّ أنه يوم واحد . ثم رأى بقيّة من الشمس ، فخاف أن يكذب ؛ فقال : يوما أو بعض يوم . وروى أنه قام شابّا على حالته ، فوجد أولاده وأولادهم شيوخا . وكذلك قصة أصحاب الكهف ، لما بعثهم قال بعضهم لبعض : كم لبثتم ؟ وكذلك يسألون في القيامة : كَمْ لَبِثْتُمْ ؟ قالُوا : لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ « 2 » فَسْئَلِ الْعادِّينَ » ؛ كلّ ذلك دلالة على أنّ الدنيا كلها كثيرها كقليلها ، ولا يلبث الإنسان فيها إلا كنفس واحد . وهذا مشاهد ، وليس الخبر كالعيان . ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ) « 3 » ؛ أي تبيّن له كيفية الإحياء ، فأراه اللّه في نفسه ذلك . ولذلك قال : انظر إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ؛ أي يتغير . وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ كيف تركته مربوطا بحبل من ليف ، ولم يتغير . قالَ : أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - بهمزة قطع وضم الميم « 4 » - اعترافا . وقرئ بألف وصل والجزم على الأمر ؛ أي قال له الملك ذلك . فإن قلت : ما الحكمة في أنّ عزيزا سأل الإحياء ، فعاقبه ؛ وإبراهيم سأل مثل ذلك فأجابه ؟
--> ( 1 ) البقرة : 259 ( 2 ) المؤمنون : 113 ( 3 ) البقرة : 259 ( 4 ) أي في كلمة « أَعْلَمُ » من الآية .