جلال الدين السيوطي
56
معترك الاقران في اعجاز القرآن
في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متّحد مرتبط أوله بآخره « 1 » . فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط . ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عن مثله حسن الحديث ، فضلا عن أحسنه ؛ فإن القرآن نزل في نيّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ، شرعت لأسباب مختلفة ، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض . وقال الشيخ ولى الدين الملوى : قد وهم من قال . لا يطلب للآية « 2 » الكريمة مناسبة : لأنها على حسب الوقائع المتفرقة . وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا ، وعلى حسب الحكمة ترتيبا ، وتأصيلا ، فالمصحف على وفق اللوح المحفوظ مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف ، كما أنزل جملة إلى بيت العزة . ومن المعجز البين أسلوبه ، ونظمه الباهر ؛ والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شئ عن كونها تكملة لما قبلها أو مستقلة ؛ ثم المستقلة [ 11 ب ] ما وجه مناسبتها لما قبلها ؟ ففي ذلك [ علم ] « 3 » جم . وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له . وقال الإمام الرازي في سورة البقرة : ومن تفكر في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضا بسبب ترتيبه ونظم آياته ، ولعل الذين قالوا إنه معجز بسبب أسلوبه أرادوا ذلك ، إلا أنى رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف ، غير منتبهين لهذه الأسرار ، وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل : والنجم تستصغر الأبصار صورته * والذّنب للطرف لا للنّجم في الصغر
--> ( 1 ) في البرهان : لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر ( 2 ) في البرهان : للآى . ( 3 ) من الإتقان والبرهان .