جلال الدين السيوطي
28
معترك الاقران في اعجاز القرآن
أنه « 1 » بنظمه وصحة معانيه وتوالى فصاحة ألفاظه ؛ وذلك أن اللّه أحاط بكل شئ علما ، وأحاط بالكلام [ 17 ] كلّه علما ، فإذا ترتّبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أىّ لفظة تصلح أن تلا الأولى وتبين المعنى بعد المعنى ؛ ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره . والبشر محل الجهل والنسيان والذهول ، ومعلوم ضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بذلك ؛ فلذلك جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة ؛ وبهذا يبطل من قول من قال : إن العرب كان في قدرتها الإتيان بذلك ، فصرفوا عن ذلك . والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط ؛ ولهذا ترى البليغ ينقّح القصيدة أو الخطبة حولا ، ثم ينظر فيها ، ثم يغير فيها ، وهلّم جرّا . وكتاب اللّه سبحانه لو برعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد ؛ ونحن تتبين لنا البراعة في أكثره ، ويخفى علينا وجهها في مواضع ؛ لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة . وقامت الحجة على العالم بالعرب ؛ إذ كانوا أرباب الفصاحة وفطنة « 2 » المعارضة ، كما كانت الحجة في معجزة موسى بالسحرة ، وفي معجزة عيسى بالأطباء ؛ فإن اللّه إنما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبدع « 3 » ما تكون في زمان النبي الذي أراد إظهاره ؛ فكان السحر في « 4 » مدة موسى إلى غايته ، وكذلك الطب في زمان عيسى ، والفصاحة في زمان محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقال حازم « 5 » في منهاج البلغاء : وجه الإعجاز في القرآن من حيث استمرت
--> ( 1 ) أنه : أي الإعجاز . ( 2 ) في الاتقان ، والبرهان : ومظنة . والمثبت في ا . ب . ( 3 ) في البرهان : أبرع ما تكون . ( 4 ) في الاتقان ، والبرهان . قد انتهى في مدة موسى . . ( 5 ) هو حازم بن محمد القرطاجني توفى سنة 684 ( بغية الوعاة : 214 )