جلال الدين السيوطي
7
معترك الاقران في اعجاز القرآن
من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على أساليبه ؛ وإنما ذكروا في قوله تعالى « 1 » : « قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ . . . » الآية تعظيما لشأنه ؛ لأن للهيئة الاجتماعية من القوة ما ليس للأفراد ، فإذا فرض اجتماع الثقلين ، وظاهر بعضهم بعضا ، وعجزوا عن المعارضة كان الفريق الواحد أعجز . وقال بعضهم : بل وقع للجن أيضا والملائكة منويون في الآية ؛ لأنهم لا يقدرون أيضا على الإتيان بمثل القرآن . وقال الكرماني « 2 » في غرائب التفسير : إنما اقتصر في الآية على ذكر الجن والإنس ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم كان مبعوثا إلى الثقلين دون الملائكة . فإن قلت : قد قال تعالى « 3 » : « وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » . وقد وجدنا فيه اختلافا وتفاوتا في الفصاحة ؛ بل نجد فيه الأفصح والفصيح . والجواب أنه لو جاء القرآن على غير ذلك لكان على غير النمط المعتاد في كلام العرب من الجمع بين الأفصح والفصيح ، فلا تتم الحجة في الإعجاز ، فجاء على نمط كلامهم المعتاد ليتم ظهور العجز عن معارضته ولا يقولوا مثلا : أتيت بما لا قدرة لنا على جنسه ، كما لا يصح للبصير « 4 » أن يقول للأعمى : قد غلبتك بنظرى ؛ لأنه يقول له : إنما تتم لك الغلبة لو كنت قادرا على النظر ، وكان نظري أقوى من نظرك . فأما إذا فقد أصل النظر فكيف تصح منى المعارضة . [ تنزيه القرآن عن الشعر ] وقيل : إن الحكمة في تنزيه القرآن عن الشعر الموزون - مع أن الشعر
--> ( 1 ) الاسراء : 88 . ( 2 ) هو أبو القاسم برهان الدين محمود بن حمزة بن نصر الكرماني الشافعي ، يلقب تاج القراء . توفى بعد سنة 500 ( بغية الوعاة : 387 ) . ( 3 ) النساء : 82 . ( 4 ) في ا : من البصير .