زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري
88
فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن
وَبَيْنَكُمْ مع أنّ ذلك لا يكفي من غيره ؟ قلت : لأنه قادر على إقامة الحجة ، على أنه شهيد له ، وقد أقامها بقوله : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ بخلاف غيره لا يقدر على ذلك . 9 - قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [ الأنعام : 21 ] . بدأ الآية هنا بالواو ، وختمها بقوله : إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ . وبدأها في يونس بالفاء وختمها بقوله : إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ لأن ما قبلها ثمّ سبب لها ، ومعطوف بالفاء ، ومذكور فيه المجرمون ، فناسب فيها ما ذكر ، بخلاف ما هنا ، فإن المتقدّم فيه معطوف بالواو ، ولم يذكر فيه المجرمون . 10 - قوله تعالى : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] . كذبوا في قولهم ذلك ، مع معاينتهم حقائق الأمور ، ظنّا منهم أنهم يتخلّصون به . فإن قلت : كيف الجمع بين هذا وبين قوله : وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [ النساء : 42 ] ؟ قلت : في القيامة مواقف مختلفة ففي بعضها لا يكتمون ، وفي بعضها يكتمون ، بل يكذبون ويحلفون ، كما في قوله تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [ الحجر : 93 ] مع قوله تعالى : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ [ الرحمن : 39 ] . 11 - قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ [ الأنعام : 25 ] الآية . قال هنا : يَسْتَمِعُ بالإفراد ، وفي يونس وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ بالجمع ، لأنّ ما هنا نزل في قوم قليلين ، وهم : " أبو " سفيان " و " النّضر بن الحارث " و " عتبة ، و " شيبة " ، و " أمية " ، وأبيّ بن خلف " فنزّلوا منزلة الواحد ، فأعيد الضمير على لفظ مَنْ . وما في " يونس " نزل في جميع الكفار ، فناسب الجمع ، فأعيد الضمير على معنى مَنْ . وإنما لم يجمع ثمّ في قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ لأن الناظرين إلى المعجزات ، أقلّ من المستمعين للقرآن .