زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري
85
فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن
قلت : النّفس كما تطلق على ذلك ، تطلق على ذات الشيء وحقيقته ، كما يقال : نفس الذّهب والفضّة محبوبة أي : ذاتهما ، والمراد هنا الثاني . 48 - قوله تعالى : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [ المائدة : 117 ] . فإن قلت : كيف قال ذلك ، مع أنه غبر لهم أيضا غير ما ذكر ؟ قلت : معناه : " ما قلت لهم فيما يتعلّق بالإله " . فإن قلت : عيسى حيّ في السّماء ، فكيف قال : فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ؟ قلت : المراد بالتوفي النّوم كما مرّ ، مع زيادة في قوله في آل عمران : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ . مع أنّ السؤال إنّما يتوجّه ، على قول من قال : إنّ السؤال والجواب ، وجدا يوم رفعه إلى السّماء ، وأمّا من قال : إنهما يكونان يوم القيامة - وعليه الجمهور - فلا إشكال . 49 - قوله تعالى : قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [ المائدة : 119 ] الآية : أي : يوم القيامة . فإن قلت : كيف قال ذلك ، مع أنّ الصّدق نافع في الدّنيا أيضا ؟ قلت : نفعه بالنسبة إلى نفع يوم القيامة ، الذي هو الفوز بالجنّة ، والنّجاة من النّار كالعدم . فإن قلت : إن أراد بالصّدق صدقهم في الآخرة ، فالآخرة ليست بدار عمل ، أو في الدنيا ، فليس مطابقا لما ورد فيه ، وهو الشهادة لعيسى بالصّدق ، بما يجيب به يوم القيامة ؟ قلت : أراد به الصّدق المستمرّ بالصادقين ، في دنياهم وآخرتهم . " تمت سورة المائدة " * * *