زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

69

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن

29 - قوله تعالى : إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [ النساء : 76 ] . إن قلت : كيف وصف فيه كيد الشيطان بالضعف ، وفي قوله تعالى : إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [ يوسف : 28 ] وصف كيد النّساء بالعظم ، مع أن كيد الشيطان أعظم ؟ قلت : المراد أن كيد الشيطان ضعيف بالنسبة إلى نصرة اللّه أولياءه ، وكيد النساء عظيم بالنسبة إلى الرجال . 30 - قوله تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النساء : 79 ] الآية . جمع بينه وبين قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النساء : 78 ] الواقع ردّا لقول المشركين وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الآية بأن قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي إيجادا وقوله : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [ النساء : 79 ] أي كسبا ، كما في قوله تعالى وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشورى : 30 ] وبأن قوله : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ الآية حكاية قول المشركين ، والتقدير : فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا فيقولون : ما أَصابَكَ الآية . 31 - قوله تعالى : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] يدلّ بمفهومه على أن في القرآن اختلافا قليلا ، وإلا لما كان للتقييد بوصف الكثرة فائدة ، مع أنه لا اختلاف فيه أصلا ، إذ المراد بالاختلاف فيه : التناقض في معانيه ، والتباين في نظمه . أجيب بأن التقييد بالكثرة ، للمبالغة في إثبات الملازمة ، أي : لو كان من عند غير اللّه ، لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ، فضلا عن القليل ، لكنه من عند اللّه ، فليس فيه اختلاف كثير ولا قليل . 32 - قوله تعالى : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا [ النساء : 83 ] . إن قلت : كيف استثنى القليل ، بتقدير انتفاء الفضل والرحمة ، مع أنه لولاهما لاتّبع الكلّ الشيطان ؟ قلت : الاستثناء راجع إلى : أَذاعُوا بِهِ أو إلى لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ أو إلى : لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ لكن بتقييد الفضل والرحمة بإرسال الرسول ، أي :