زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

46

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن

أو أريد بالأكل الانتفاع ، كما يقال : فلان أكل ماله ، إذا انتفع به في الأكل وغيره . 115 - قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا . فإن قلت : كيف قالوا ذلك مع أن مقصودهم تشبيه الربا بالبيع المتّفق على حلّه ؟ قلت : جاء ذلك على طريق المبالغة ، لأنه أبلغ من اعتقادهم أن الربا حلال كالبيع ، كالتشبيه في قولهم : القمر وجه زيد ، والبحر ككفّه ، إذا أرادوا المبالغة . أو أنّ مقصودهم أنّ البيع والربا يتماثلان من جميع الوجوه ، فساغ قياس البيع على الربا كعكسه . 116 - قوله تعالى : وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . إن قلت : كيف قال ذلك ، مع أن مرتكب الكبيرة كآكل الربا لا يخلّد في النّار ؟ قلت : الخلود يقال لطول البقاء ، وإن لم يكن بصيغة التأبيد ، كما يقال : خلّد الأمير فلانا في الحبس إذا أطال حبسه . أو المراد بقوله وَمَنْ عادَ العائد إلى استحلال أكل الربا ، هو بذلك كافر ، والكافر مخلّد في النّار على التأبيد . 117 - قوله تعالى : وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ البقرة : 280 ] . خَيْرٌ لَكُمْ أي : من إنظار المعسر . فإن قلت : إنظار المعسر واجب ، والتصدّق عليه تطوّع ، فكيف يكون خيرا من الواجب ؟ قلت : التّطوع المحصّل للواجب ، لما اشتمل عليه من الزيادة كما هنا أفضل من الواجب ، كما أن الزّهد في الحرام واجب ، وفي الحلال تطوّع ، والزهد في الحلال أفضل . 118 - قوله تعالى : ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . قال فيه وفي الجاثية ب ما كَسَبَتْ وقال في آخر النحل : وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وفي آخر الزمر : وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ موافقة لما قبل كل منها ، أو بعده ، أو قبله وبعده ، إذ ما هنا قبله : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وبعده : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ . وقبله في آخر النّحل : مَنْ عَمِلَ صالِحاً . . . وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ .