زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

47

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن

وبعده : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ . وقبل ما في الجاثية : وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً . وبعد ما في الزمر : فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ . 119 - قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ . فإن قلت : ما فائدة قوله : بِدَيْنٍ مع أنه معلوم من تَدايَنْتُمْ . قلت : فائدته الاحتراز عن " الدّين " بمعنى المجازاة ، يقال : داينت فلانا بالمودة ، أي جازيته بها ، وهو بهذا المعنى لا كتابة فيه ولا إشهاد . وقيل : فائدته رجوع الضمير إليه في قوله : فَاكْتُبُوهُ إذ لو لم يذكره لقال : فاكتبوا الدّين ، والأول أحسن نظما . 120 - قوله تعالى : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى . قرئ : " تذكر " بالتخفيف والتشديد . فإن قلت : كيف جعل أَنْ تَضِلَّ علة لاستشهاد المرأتين بدل رجل ، مع أن علّته إنما هو التذكير . قلت : بل علّته أَنْ تَضِلَّ لأن الضلال من إحداهما يكثر وقوعه فصلح أن يكون علّة لاستشهادهما ، وبتقدير عدم صلاحه فالتعليل " بأن تضلّ " في الحقيقة إنما هو للتذكير ، ومن شأن العرب إذا كانت للعلّة علّة ، قدّموا ذكر علّة العلّة ، وجعلوا العلّة معطوفة عليها بالفاء ، لتحصل الدلالتان معا بعبارة واحدة ، كقولك : أعددت الخشبة أن يميل الجدار ، فأدعمته بها ، فالإدعام علّة في إعداد الخشبة ، والميل علّة الإدعام . 121 - قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فإن قلت : كيف شرط السفر في الارتهان مع أنه ليس بشرط فيه ؟ قلت : لم يذكره لتخصيص الحكم به ، بل لكونه مظنة عوز الكاتب ، والشاهد الموثوق بهما . 122 - قوله تعالى : وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ . فإن قلت : ما فائدة ذكر القلب ، مع أن الجملة موصوفة بالإثم ؟ قلت : لما كان كتمان الشهادة هو إضمارها في القلب ، وإثمه مكتسبا بالقلب