جلال الدين السيوطي
16
الاكليل في استنباط التنزيل
هذه الفنون التي أخذتها الملة الإسلامية منه ، وقد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل مثل الطب ، والجدل ، والهيئة ، والهندسة ، والجبر والمقابلة ، والنجامة ، وغير ذلك . أما الطب فمداره على حفظ نظام الصحة ، واستحكام القوة ، وذلك إنما يكون باعتدال المزاج تبعا على الكيفيات المتضادة ، وقد جمع ذلك في آية واحدة وهي قوله : وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً « 1 » ، وعرفنا فيه بما يعيد نظام الصحة بعد اختلاله وحدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله في قوله : شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ « 2 » ، ثم زاد على طب الأجساد بطب القلوب وشفاء الصدور . وأما الهيئة ففي تضاعيف سوره من الآيات التي ذكر فيها من ملكوت السماوات والأرض ، وما بث في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات . وأما الهندسة ففي قوله : انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ « 3 » فإن فيه قاعدة هندسية وهو أن الشكل المثلث لا ظل له . وأما الجدل فقد حوت آياته من البراهين والمقدمات والنتائج والقول بالموجب والمعارضة وغير ذلك شيئا كثيرا ، ومناظرة إبراهيم أصل في ذلك عظيم . وأما الجبر والمقابلة فقد قيل إن أوائل السور ذكر مدد وأعوام وأيام لتواريخ أمم سالفة ، وأن فيها تاريخ بقاء هذه الأمة وتاريخ مدة الدنيا وما مضى وما بقي مضروب بعضها في بعض .
--> ( 1 ) سورة الفرقان : 67 . والقوام : العدل . ( 2 ) سورة النحل : 69 . ( 3 ) سورة المرسلات : 30 . قال القاضي البيضاوي - رحمه اللّه - في ( أنوار التنزيل ) في قوله تعالى : إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ : « يعني ظل دخان جهنم كقوله تعالى : وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ . . يتشعّب لعظمه ، كما ترى الدخان العظيم يتفرّق ذوائب . . » قلت : فإن ذهاب من ذهب إلى استخراج علم الهندسة . من هذه الآية الكريمة . . ضرب من التزيّد ، وتحميل كلام اللّه ما لا ينبغي ولا يحتمل . قلت : وكذلك سائر الاستخراجات التي أوردها المصنف - رحمه اللّه - في هذه المقدمة ، أو أكثرها ، مما لا يحتمل هذا الذي حمّل من الاستنباطات التي توحي بأن كتاب اللّه قد جمع أصول العلوم والفنون والمعارف كافة . . واللّه يشهد أنّ هذا تعنّت لم تسبق أمة الدين الحنيف إليه .