الخطيب الشربيني

724

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

فإذا ذكر العبد ربه خنس ، ويقال : رأسه كرأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب يمسه ، فإذا ذكر الله تعالى خنس ورجع ووضع رأسه فذلك قوله تعالى : الَّذِي يُوَسْوِسُ ، أي : يلقي المعاني الضارة على وجه الخفاء والتكرير فِي صُدُورِ النَّاسِ ، أي : المضطربين إذا أغفلوا عن ذكر ربهم من غير سماع . وقال مقاتل : إنّ الشيطان في صورة خنزير يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه سلطه الله تعالى على ذلك . وقال القرطبي : وسوسته هي الدعاء إلى إطاعته بكلام خفيّ يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع صوت . تنبيه : يجوز في محل الَّذِي يُوَسْوِسُ الحركات الثلاث ، فالجرّ على الصفة والرفع والنصب على الشتم ، ويحسن أن يقف القارئ على الخناس ويبتدئ الذي يوسوس على أحد هذين الوجهين . وقوله تعالى : مِنَ الْجِنَّةِ ، أي : الجنّ الذين هم في غاية الشر والتمرد ، والخناس وَالنَّاسِ ، أي : أهل الاضطراب والذبذبة بيان للذي يوسوس على أن الشيطان ضربان : جني وأنسي كما قال تعالى : شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [ الأنعام : 112 ] ويجوز أن يكون بدلا من الذي يوسوس ، أي : الموسوس من الجن والإنس ، وأن يكون حالا من الضمير في يوسوس ، أي : حال كونه من هذين الجنسين . وقيل : غير ذلك . قال الحسن : هما شيطانان لنا أما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس ، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية . وقال قتادة : إن من الجن شياطين ، وإنّ من الإنس شياطين . فنعوذ بالله من شياطين الجنّ والإنس . وعن أبي ذر قال لرجل هل تعوّذت بالله من شيطان الإنس ، فقال : أو من الإنس شياطين ؟ قال : نعم لقوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [ الأنعام : 112 ] الآية . وذهب قوم إلى أنّ المراد بالناس هنا الجن سموا ناسا كما سموا رجالا في قوله تعالى : وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ [ الجن : 6 ] وكما سموا نفرا في قوله تعالى : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [ الجن : 1 ] وكما سموا قوما نقل الفراء عن بعض العرب أنه قال وهو يحدّث جاء قوم من الجنّ فوقفوا ، فقيل : من أنتم ؟ فقالوا : ناس من الجنّ ، فعلى هذا يكون والناس عطفا على الجنة ويكون التكرير لاختلاف اللفظين . والجنة جمع جني كما يقال : أنس وأنسي والهاء لتأنيث الجماعة . وقيل : إنّ إبليس يوسوس في صدور الجنّ كما يوسوس في صدور الناس فعلى هذا يكون في صدور الناس عاما في الجميع . و مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ بيانا لما يوسوس في صدورهم . وقيل : معنى مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الوسوسة التي تكون مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ وهو حديث النفس . قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ الله تعالى تجاوز لأمّتي عما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به » « 1 » وعن عقبة بن عامر قال : « قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : ألم تر آيات نزلت الليلة لم ير مثلهنّ قط أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ « 2 » . وعنه أيضا أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « ألا أخبرك بأفضل ما تعوّذ

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأيمان حديث 6664 ، ومسلم في الإيمان حديث 127 ، والنسائي في الطلاق حديث 3434 ، وابن ماجة في الطلاق حديث 2040 . ( 2 ) أخرجه مسلم في المسافرين حديث 814 ، والنسائي في الافتتاح حديث 953 .