الخطيب الشربيني
725
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
به المتعوذ ؟ قلت : بلى ، قال : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ « 1 » . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : « كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه فنفث فيهم وقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما رأسه ووجه وما أقبل من جسده يصنع ذلك ثلاث مرات » « 2 » . وعنها أيضا « أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذتين وينفث ، فلما اشتدّ وجعه كنت أقرأهما عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها » « 3 » . وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار » « 4 » . وعن ابن عباس قال : « قال رجل : يا رسول الله ، أي الأعمال أحب إلى الله تعالى ؟ قال : الحال المرتحل ، قال : وما الحال المرتحل ؟ قال : الذي يضرب من أوّل القرآن إلى آخره كلما حل ارتحل » « 5 » . وعن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ما أذن الله لأحد ما أذن لنبيّ حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به » « 6 » . لطيفة : نختم بها كما ختم بها الفخر الرازي رحمه الله تعالى تفسيره ، وهي أن المستعاذ به في السورة الأولى مذكور بصفة واحدة ، وهي أنه رب الفلق والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات : وهي الغاسق والنفاثات والحاسد . وأمّا في هذه السورة فالمستعاذ به مذكور بصفات ثلاث : وهي الرب والملك والإله ، والمستعاذ منه آفة واحدة وهي الوسوسة . والفرق بين الموضعين أن الثناء يجب أن يقدر بقدر المطلوب ، فالمطلوب في السورة الأولى سلامة النفس والبدن ، والمطلوب في السورة الثانية سلامة الدين ، وهذا تنبيه على أنّ مضرة الدين وإن قلت أعظم من مضار الدنيا وإن عظمت . وهذا آخر ما يسره الله تعالى من السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير فدونك تفسيرا كأنه سبيكة عسجد ، أو در منضد جمع من التفاسير معظمها ومن القراءات متواترها ، ومن الأقاويل أظهرها ، ومن الأحاديث صحيحها وحسنها محرّر الدلائل في هذا الفنّ مظهرا لدقائق استعملنا الفكر فيها إذا الليل جنّ ، فإذا ظفرت بفائدة شاردة فادع لي بالتجاوز والمغفرة ، أو بزلة قلم أو لسان فافتح لها باب التجاوز والمعذرة : فلا بدّ من عيب فإن تجدنه * فسامح وكن بالستر أعظم مفضل فمن ذا الذي ما ساء قط ومن له ال * محاسن قد تمت سوى خير مرسل
--> ( 1 ) أخرجه النسائي في الاستعاذة باب 1 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في الدعوات حديث 3402 ، وأبو داود في الأدب حديث 5056 . ( 3 ) أخرجه البخاري في فضائل القرآن حديث 5016 ، ومسلم في السلام حديث 2192 ، وابن ماجة في الطب حديث 3529 . ( 4 ) تقدم الحديث مع تخريجه قبل قليل . ( 5 ) أخرجه الترمذي في القراءات حديث 2948 ، والدارمي في فضائل القرآن حديث 3476 . ( 6 ) أخرجه البخاري في التوحيد حديث 7544 ، ومسلم في المسافرين حديث 792 ، وأبو داود في الصلاة حديث 1473 ، والنسائي في الافتتاح حديث 1017 .